Islamic MixIslamic Mix
‹ الصحابيات وأمهات المؤمنين
الصحابيات وأمهات المؤمنينمشهورمدة القراءة نحو ٥ دقائق

عائشة بنت الصديق: بيت العلم الذي أنار الأمة

عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنها

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

— نشأتها في بيت أبي بكر — هي عائشة بنت أبي بكر الصديق وأمها أم رومان رضي الله عنهم، نشأت في بيت أسلم أهله مبكرًا. وقد ثبت في صحيح البخاري عن عائشة أنها قالت: لم أعقل أبويّ قط إلا وهما يدينان الدين. وتروي أن النبي ﷺ كان لا يخطئهم أن يأتي بيت أبي بكر طرفي النهار بكرة وعشية. فكانت تنشأ في بيت يتردد عليه النبي ﷺ كل يوم، فتسمع وتحفظ وتعي.

— الرؤيا والزواج — في الصحيحين أن النبي ﷺ قال لعائشة: «أُريتك في المنام ثلاث ليال، جاءني بك الملَك في سَرَقة من حرير، فيقول: هذه امرأتك، فأكشف عن وجهك فإذا أنت هي، فأقول: إن يكن هذا من عند الله يُمضه». وفي الصحيحين أنه تزوجها وهي بنت ست سنين، وبنى بها وهي بنت تسع، فكان العقد بمكة قبل الهجرة، وكان البناء بالمدينة، وأنها بقيت عنده تسعًا. ولم يُنقل أن أحدًا من قومها أو من خصومه اعترض على ذلك في زمانه، وهي رضي الله عنها التي رَوت هذه التفاصيل بنفسها.

— بين اللعب والجد — كانت تلعب بالبنات، أي الدمى، وصواحباتها يأتين إليها، فكان النبي ﷺ إذا دخل تقمّعن منه، أي اختبأن، فيسربهن إليها فيلعبن معها (البخاري ومسلم). وكان يسابقها فسبقته، ثم سابقها بعدما حملت اللحم فسبقها، فقال: «هذه بتلك السبقة»، وهذه الحادثة رواها أبو داود وأحمد بإسناد صحيح، وهي من الأحاديث التي ذكرناها في قصص مستقلة. وكانت أحب الناس إليه من النساء، فقد سُئل ﷺ: أي الناس أحب إليك؟ قال: «عائشة». قيل: من الرجال؟ قال: «أبوها» (البخاري ومسلم).

— مكانتها في البيت وفضلها — في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: «فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام». ومعنى الحديث عند أهل العلم أنها فضلت النساء في خصال معينة كالعلم والفصاحة وعظم المنزلة عنده، وليس فيه تفضيل مطلق على خديجة وفاطمة ومريم. وكان من علامات مكانتها أن الوحي نزل عليه وهو في لحافها دون غيرها، كما ثبت في البخاري: «إني ما نزل عليّ الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها».

— العلم والرواية — بلغ علم عائشة مبلغًا عظيمًا بعد وفاة النبي ﷺ، وكانت مرجع الصحابة والتابعين. ذكر الذهبي في سير أعلام النبلاء أنها روت نحو ألفين ومئتين وعشرة أحاديث، اتفق البخاري ومسلم منها على مئة وأربعة وسبعين. وروى الترمذي عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: ما أشكل علينا أصحاب رسول الله ﷺ حديث قط فسألنا عائشة إلا وجدنا عندها منه علمًا. وروى أهل السير عن عروة بن الزبير، وهو ابن أختها أسماء ومن أخص تلاميذها، أنه قال: ما رأيت أحدًا أعلم بفقه ولا بطب ولا بشعر من عائشة. وقد ألّف الإمام الزركشي كتابًا بعنوان «الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة» جمع فيه ما صوّبت به عائشة رواية بعض الصحابة، ومنه ما ثبت في الصحيحين عن مسألة تعذيب الميت ببكاء أهله، فقد بيّنت رضي الله عنها وجه فهم الحديث ونبّهت إلى سياقه الذي قيل فيه.

— الإفك والبراءة — وفي عودة النبي ﷺ من غزوة بني المصطلق (في السنة الخامسة أو السادسة على خلاف بين أهل السير) تعرضت لحادثة الإفك، فاتهمها المنافقون ومن تأثر بهم، فصبرت وصبر أبوها وبيتها، حتى نزل القرآن ببراءتها في سورة النور بعد شهر من الإرجاف. وقد ثبتت القصة في الصحيحين مفصلة، ولما قيل لها قومي إلى رسول الله ﷺ قالت: لا والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله، فإنه هو الذي أنزل براءتي. وهذه الحادثة التي عُدّت من أعظم الابتلاءات لبيت أبي بكر، ختمها الله بالبراءة من فوق سبع سماوات. وقد أفردنا لها قصة مستقلة في هذا الموقع.

— وفاة النبي ﷺ في بيتها — مرض النبي ﷺ فاستأذن أزواجه أن يمرَّض في بيتها، فأذنّ له، فتوفي ﷺ في بيتها، في يومها، بين سَحرها ونَحرها، أي بين صدرها وحلقها، كما ثبت في صحيح البخاري عنها. ودفن في حجرتها. وقالت: إن من نعم الله عليّ أن رسول الله ﷺ توفي في بيتي وفي يومي وبين سحري ونحري، وأن الله جمع بين ريقي وريقه عند موته. وقد روت أن الجمع كان حين دخل عبد الرحمن بن أبي بكر وبيده سواك رطب، فمضغته لتلينه للنبي ﷺ فاستن به. وبقي قبره في حجرتها، وكانت تدخلها بعد الدفن بغير تحفّظ حتى دفن عمر معه، فصارت تدخل متحجبة.

— بعد النبي ﷺ: الفقيهة والمعلمة — كانت بعد وفاته مرجعًا في الفتوى والحديث. قال مسروق بن الأجدع: لقد رأيت مشيخة أصحاب رسول الله ﷺ الأكابر يسألونها عن الفرائض، وهو قول رواه الحاكم وغيره عنه. وكانت تعلّم تلاميذها من وراء حجاب، فيتوافد عليها العلماء والطلبة من كل مكان. وأقامت في المدينة ولم تقصد أن تتصدر للحكم، وكان الخلفاء من أبيها وعمر وعثمان يعطونها قدرها.

— الجمل والندم — وفي أيام الفتنة بعد مقتل عثمان رضي الله عنه، خرجت عائشة مع طلحة والزبير رضي الله عنهم إلى البصرة، طالبة الإصلاح بين الناس والأخذ بدم عثمان، فوقعت معركة الجمل سنة ست وثلاثين، ولم تكن تريد قتالًا. وقد روى أهل السير أنها كانت إذا ذكرت خروجها ذلك ندمت وبكت حتى تبل خمارها، وروي ذلك بإسناد فيه مقال، ولكن الثابت أنها عدّته اجتهادًا لم يصادف الصواب كما ثبتت عنها أقوال في الندم. ولا يُنقص هذا من قدرها شيئًا، فهي مجتهدة مأجورة إن شاء الله.

— حين حانت الوفاة — توفيت رضي الله عنها في المدينة في رمضان سنة ثمان وخمسين على المشهور، وصلى عليها أبو هريرة رضي الله عنه، ودُفنت بالبقيع ليلًا بوصيتها. وفي صحيح البخاري أن ابن عباس رضي الله عنهما استأذن عليها وهي في مرض الموت، فقالت أولًا: دعني من ابن عباس ومن تزكيته، ثم أُقنعت فأذنت له، فقال لها: أبشري يا زوجة رسول الله، فوالله ما بينك وبين أن تلقي محمدًا والأحبة إلا أن تخرج الروح من الجسد، كنت أحب نساء رسول الله ﷺ إليه، ولم يكن يحب إلا طيبًا، وذكر لها نزول التيمم بسببها ونزول براءتها من فوق سبع سماوات. فقالت رضي الله عنها: وددت أني كنت نسيًا منسيًّا.

العبرة

العلم الذي يبذل للأمة يخلّد صاحبه ولو كان في بيت صغير، وأعظم ما تبلغه المرأة المسلمة أن تكون مرجعًا في دينها مع تواضع وخشية.

المصدر: صحيح البخاري: فضائل الصحابة، المغازي، التفسير، الصلاة؛ صحيح مسلم: فضائل الصحابة؛ جامع الترمذي: المناقب؛ سنن أبي داود؛ سير أعلام النبلاء للذهبي؛ المستدرك للحاكم؛ الإجابة للزركشي؛ سورة النور

الدرجة: غالب ما فيها ثابت في الصحيحين، وما نُقل عن ندمها بعد الجمل فيه مقال في الإسناد، وكلام عروة ومسروق مشهور عند أهل التراجم.