Islamic MixIslamic Mix
‹ الصحابيات وأمهات المؤمنين
الصحابيات وأمهات المؤمنينموثّقمدة القراءة نحو ٦ دقائق

حفصة بنت عمر: صوّامة قوّامة وحافظة المصحف

حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنها

— من هي حفصة؟ — هي أم المؤمنين حفصة بنت أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، وأمها زينب بنت مظعون أخت عثمان بن مظعون. ذكر ابن سعد أنها ولدت قبل البعثة بخمس سنين حين كانت قريش تبني الكعبة. وقد تزوجها خنيس بن حذافة السهمي رضي الله عنه، وكان من السابقين، هاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة، وتوفي بالمدينة، فبقيت حفصة أرملة شابة.

— عمر يعرض ابنته — روى البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما أن عمر قال: لما تأيمت حفصة من خنيس بن حذافة، وكان من أصحاب النبي ﷺ فتوفي بالمدينة، قال عمر: لقيت عثمان بن عفان فعرضت عليه حفصة فقلت: إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر. قال: سأنظر في أمري. فلبثت ليالي، ثم لقيني فقال: قد بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا. قال عمر: فلقيت أبا بكر فقلت: إن شئت أنكحتك حفصة، فصمت أبو بكر فلم يرجع إليّ شيئًا، فكنت عليه أوجد مني على عثمان. فلبثت ليالي ثم خطبها رسول الله ﷺ فأنكحتها إياه، فلقيني أبو بكر فقال: لعلك وجدت عليّ حين عرضت عليّ حفصة فلم أرجع إليك؟ قلت: نعم. قال: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت إلا أني كنت علمت أن رسول الله ﷺ ذكرها، فلم أكن لأفشي سر رسول الله ﷺ، ولو تركها لقبلتها.

وفي هذا الخبر الصحيح ثلاث فوائد: أن الأب يعرض ابنته على أهل الصلاح لا حرج عليه، وأن الصديق رضي الله عنه حفظ السر النبوي ولو كلّفه ذلك أن يحمل في نفس صاحبه شيئًا، وأن الله عوّض عمر عن ذلك أعظم عوض إذ صارت ابنته زوجة نبيه ﷺ. وذكر ابن سعد وغيره أن زواجها كان في السنة الثالثة من الهجرة.

— حفصة والنبي ﷺ: بين الصفاء والعتاب — كانت حفصة ممن تغار كما تغار نساء النبي ﷺ، وكانت شديدة الاعتزاز بأبيها. وفي الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها خبر العسل: كان النبي ﷺ يمكث عند زينب بنت جحش ويشرب عندها عسلًا، فتواطأت عائشة وحفصة أن أيتنا دخل عليها فلتقل له: أكلتَ مغافير؟ إني أجد منك ريح مغافير. فقال: «لا، ولكني كنت أشرب عسلًا عند زينب بنت جحش، فلن أعود له، وقد حلفت، لا تخبري بذلك أحدًا». فنزل قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك والله غفور رحيم﴾. وذكر أهل التفسير كابن كثير أن في السورة عتابًا رقيقًا لأمهات المؤمنين، وتنبيهًا إلى أن النبي ﷺ ليس له أن يمنع نفسه ما أحل الله إرضاءً لهنّ، وأن الله تعالى قال لهما: ﴿إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما﴾. وقد جاء في رواية أخرى عند النسائي أن السبب تحريمه جاريته مارية، والراجح عند كثير من العلماء أن سبب النزول هو العسل لأنه في الصحيحين، وقد تكون الآيات شملت الأمرين.

— ما قاله عمر لابنته — وفي الصحيحين من حديث ابن عباس عن عمر في خبر طويل أنه سأل عمر عن المرأتين اللتين تظاهرتا على النبي ﷺ فقال: عائشة وحفصة. وذكر عمر أنه دخل على حفصة فقال: يا بنية، لا يغرّنك هذه التي أعجبها حسنها حب رسول الله ﷺ إياها، والله لقد علمت أن رسول الله ﷺ لا يحبك، ولولا أنا لطلقك. وذكر أنه قال لها: أتغاضبين رسول الله ﷺ؟ وكان النبي ﷺ قد اعتزل نساءه شهرًا، فدخل عمر المسجد فوجد الناس ينكتون الحصى ويقولون: طلق رسول الله ﷺ نساءه. فاستأذن حتى أذن له، فقال: أطلقتهن؟ قال: «لا». فكبّر عمر، ثم نزلت آية التخيير، فخيّرهن ﷺ فاخترن كلهن الله ورسوله والدار الآخرة. وفي الخبر دلالة على صدق إيمان أمهات المؤمنين، وعلى أن الغيرة بين الزوجات لم تُخرجهنّ عن الاختيار الصحيح.

— طلاق ورجعة بأمر جبريل — رُوي في سنن أبي داود والنسائي وابن ماجه أن النبي ﷺ طلق حفصة ثم راجعها، وأن جبريل عليه السلام قال له: راجع حفصة فإنها صوّامة قوّامة، وإنها زوجتك في الجنة. وقد صحّح هذا الحديث بعض أهل العلم بطرقه، ورواه الحاكم وغيره. فإن صحّ فهو من أعظم مناقبها، إذ شهد لها جبريل عليه السلام بالصيام والقيام، وبشّرها بالجنة. ولم يرد ما يصح في سبب هذا الطلاق، فلا نخوض فيه.

— بنت الفاروق أمينة على كتاب الله — من أعظم ما اختصت به حفصة أن كانت الصحف التي جُمع فيها القرآن بعد معركة اليمامة عندها. روى البخاري عن زيد بن ثابت رضي الله عنه أن أبا بكر أمره بجمع القرآن بعد استحرار القتل بالقراء في اليمامة، فتتبّعه من العسب واللخاف وصدور الرجال، فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حتى توفاه الله، ثم عند حفصة بنت عمر. فلما كان عثمان رضي الله عنه وخشي الاختلاف في القراءة، أرسل إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردّها إليك. فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف، ثم ردّ عثمان الصحف إلى حفصة. وهذا خبر صحيح في البخاري. وقد ذكر ابن أبي داود في كتاب «المصاحف» أن مروان بن الحكم لما توفيت حفصة أخذ تلك الصحف من أخيها عبد الله بن عمر وأتلفها، وعلّل ذلك بخشية أن يرتاب أحد فيها، وهذا الأثر ذكره ابن حجر في الفتح عن ابن أبي داود. وفي هذا كله ما يدل على ثقة أبي بكر وعمر بها وبأمانتها.

— ما روت من السنة — روت حفصة أحاديث في الصحيحين، منها ما رواه عنها أخوها عبد الله بن عمر: أن النبي ﷺ كان إذا اعتكف المؤذن للصبح وبدا الصبح صلى ركعتين خفيفتين قبل أن تقام الصلاة. ومنها قوله ﷺ: «خمس من الدواب لا حرج على من قتلهنّ: الغراب والحدأة والفأرة والعقرب والكلب العقور». ومنها سؤالها في حجة الوداع: يا رسول الله، ما شأن الناس حلّوا ولم تحلل أنت من عمرتك؟ فقال: «إني لبّدت رأسي وقلّدت هديي فلا أحلّ حتى أنحر». وهذا السؤال من سؤالات الصحابيات التي حفظت لنا صفة حجه ﷺ.

— رؤيا أخيها — في الصحيحين عن عبد الله بن عمر قال: كنت غلامًا شابًّا عزبًا في عهد رسول الله ﷺ، وكنت أبيت في المسجد، فرأيت في المنام كأن ملكين أخذاني فذهبا بي إلى النار فإذا هي مطوية كطيّ البئر، وإذا لها قرنان، وإذا فيها أناس قد عرفتهم، فجعلت أقول: أعوذ بالله من النار. فلقيهما ملك آخر فقال لي: لم تُرَع. فقصصتها على حفصة فقصتها حفصة على رسول الله ﷺ فقال: «نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل». قال سالم: فكان عبد الله بعد ذلك لا ينام من الليل إلا قليلًا. وفي الحديث أن حفصة كانت الواسطة بين أخيها والنبي ﷺ، وفيه أثر صلاة الليل في حياة آل عمر.

— آخر العمر — عاشت حفصة رضي الله عنها بعد النبي ﷺ دهرًا، وكانت تتولى صدقة أبيها عمر، فقد روى أبو داود أن صدقة عمر (أرضه التي بخيبر) كانت تليها حفصة ما عاشت، ثم يليها ذو الرأي من أهلها. وتوفيت سنة خمس وأربعين في المشهور بالمدينة في خلافة معاوية رضي الله عنه، وقيل غير ذلك، ودُفنت بالبقيع، وذكر ابن سعد أنها أوصت إلى أخيها عبد الله بن عمر بوصيتها، وجعلت صدقة من مال لها بالغابة.

العبرة

أمانة العلم والكتاب شرف عظيم، ومن صبرت على غيرتها وعاتبها القرآن فرجعت أنابت فنالت شهادة جبريل بالصيام والقيام.

المصدر: صحيح البخاري: النكاح، المغازي، التفسير (سورة التحريم)، فضائل القرآن، التعبير؛ صحيح مسلم: الطلاق، الصيد؛ سنن أبي داود (الطلاق، الوصايا)؛ سنن النسائي؛ سنن ابن ماجه؛ المصاحف لابن أبي داود؛ فتح الباري؛ الطبقات لابن سعد؛ سورة التحريم

الدرجة: أغلب القصة صحيح في البخاري ومسلم؛ وحديث تطليقها ومراجعتها بأمر جبريل رواه أصحاب السنن وصححه بعض أهل العلم؛ وخبر إتلاف مروان للصحف من كتاب المصاحف لابن أبي داود، ومثله يُذكر في الفتح.