Islamic MixIslamic Mix
‹ الصحابيات وأمهات المؤمنين
الصحابيات وأمهات المؤمنينموثّقمدة القراءة نحو ٥ دقائق

زينب بنت جحش: التي زوّجها الله من فوق سبع سماوات

زينب بنت جحش رضي الله عنها

— نسبها وأهلها — هي أم المؤمنين زينب بنت جحش بن رئاب الأسدية، وأمها أميمة بنت عبد المطلب عمة النبي ﷺ، فهي ابنة عمته. وقد أسلمت قديمًا وهاجرت مع أهلها، وكان إخوتها من أهل الإسلام والجهاد، ومنهم عبد الله بن جحش الذي استشهد يوم أحد.

— زواج غريب على أعراف الجاهلية — كانت زينب شريفة النسب من قريش، وكان زيد بن حارثة رضي الله عنه مولى النبي ﷺ ومتبنّاه، أي كان العرب يدعونه زيد بن محمد قبل أن يُنهى عن التبني. فخطب النبي ﷺ زينب لزيد، فكرهت ذلك أولًا هي وأخوها عبد الله، لأنها شريفة وهو مولى. فأنزل الله تعالى: ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم﴾. وقد ذكر ابن كثير والطبري في تفسيرهما أن هذه الآية نزلت في زينب بنت جحش، وروياه عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد، فلما نزلت رضيت وسلّمت. ففي القصة تحطيم لميزان الجاهلية في الأنساب، وتقرير لمبدأ أن الكفاءة بالدين والخلق.

— الخلاف بين الزوجين — لم تستقر الحياة بين زينب وزيد، فكان زيد يشكو إلى النبي ﷺ ما بينهما من جفاء وعدم وفاق، والنبي ﷺ يقول له: أمسك عليك زوجك واتق الله. وفي ذلك نزل قوله تعالى: ﴿وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطرًا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرًا وكان أمر الله مفعولًا﴾.

وقد وردت في بعض كتب التفسير والسير حكايات منسوبة إلى بعض السلف عن أن النبي ﷺ رأى زينب فأعجبته. وقال ابن كثير رحمه الله بعد أن ذكر شيئًا منها: وقد ذكر ابن أبي حاتم وابن جرير هنا آثارًا عن بعض السلف أحببنا أن نضرب عنها صفحًا لعدم صحتها، فلا نوردها. فهذه الحكايات لا تثبت، ولا يُعتمد عليها. وأما المعنى الصحيح فما قاله عدد من أهل العلم كابن كثير وغيره، ومنهم علي بن الحسين زين العابدين: إن الله كان قد أعلمه أنها ستكون زوجة له، فكان يخفي ذلك في نفسه خشية قول الناس إنه تزوج امرأة ابنه، فعاتبه الله على خشيته الناس. وقد ثبت عن عائشة رضي الله عنها في صحيح مسلم قولها: لو كان رسول الله ﷺ كاتمًا شيئًا مما أنزل عليه لكتم هذه الآية، وفي ذلك دليل على أمانته في التبليغ حتى فيما يمسّه.

— طلاق ثم زواج بأمر الله — فطلقها زيد، وانتهت عدتها. روى مسلم عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال لزيد: «فاذكرها عليّ». قال زيد: فانطلقت فقلت: يا زينب أبشري، أرسلني إليك رسول الله ﷺ يذكرك. وفي الرواية أنه وجدها تُخمّر عجينها، وأنها عظمت في صدره حتى ما استطاع أن ينظر إليها فولّاها ظهره، فقالت: ما أنا بصانعة شيئًا حتى أؤامر ربي. فقامت إلى مسجدها، ونزل القرآن، وجاء رسول الله ﷺ فدخل عليها بغير إذن. فكان زواجها كما قال الله: ﴿زوجناكها﴾، أي أن الله هو الذي أبرم هذا العقد بقوله، فكانت تفتخر بذلك على سائر أمهات المؤمنين، وتقول: زوّجكنّ أهاليكنّ، وزوّجني الله تعالى من فوق سبع سماوات (رواه البخاري عن أنس). وكانت حكمة الزواج أن يبطل الله عادة التبني من الجاهلية بالفعل بعد القول، فأنزل بعد ذلك: ﴿ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين﴾. وفي البخاري عن ابن عمر أن زيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد حتى نزل القرآن: ﴿ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله﴾.

— الوليمة والحجاب — قال أنس رضي الله عنه: ما أولم رسول الله ﷺ على شيء من نسائه ما أولم عليها، أولم بشاة (متفق عليه). وفي الصحيحين أن النبي ﷺ دعا القوم إلى طعام الوليمة، فأطالوا الجلوس بعد الطعام، وبقي ثلاثة نفر يتحدثون، فاستحيا النبي ﷺ أن يطردهم، فخرج وعاد مرات حتى خرجوا. فأنزل الله آية الحجاب: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحيي من الحق﴾، وفي الآية آداب الزيارة والاستئذان وقصد الطعام، وأدب مع بيوت النبوة.

— زينب في حادثة الإفك — حين كان المنافقون يخوضون في عرض عائشة رضي الله عنها، سأل النبي ﷺ زينب بنت جحش عن أمرها: «ما علمتِ أو ما رأيتِ؟» فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت إلا خيرًا. قالت عائشة: وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي ﷺ، فعصمها الله بالورع (متفق عليه). فلم تدفعها المنافسة بين الضرائر إلى أن تقول إلا الحق، وكان ذلك من تقواها، بل شهدت لعائشة وهي منافستها بما تعلم.

— عبادتها وصدقتها — وصفتها عائشة رضي الله عنها في صحيح مسلم فقالت: ولم أرَ امرأة قط خيرًا في الدين من زينب، أتقى لله، وأصدق حديثًا، وأوصل للرحم، وأعظم صدقة، وأشد ابتذالًا لنفسها في العمل الذي تصدّق به وتقرّب به إلى الله تعالى، ما عدا سَوْرة من حدّة كانت فيها تسرع منها الفَيْئة، أي الرجوع. وقد كانت تعمل بيدها وتتصدق بثمن عملها، فكانت أول أزواجه لحوقًا به كما ثبت في الصحيح من قوله ﷺ: «أسرعكنّ لحاقًا بي أطولكنّ يدًا»، وقد فهمن بعد ذلك أن المراد الصدقة.

— من حديثها — روى البخاري ومسلم عن زينب بنت جحش رضي الله عنها أن النبي ﷺ دخل عليها فزعًا يقول: «لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فُتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه» وحلّق بإصبعيه الإبهام والتي تليها. قالت زينب: فقلت: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: «نعم إذا كثر الخبث». فهذه المرأة سألت سؤال الفقيه، وأجابها النبي ﷺ بجواب يوضح أن الصلاح لا يمنع نزول العقوبة العامة إذا فشا الفساد ولم يُغيَّر.

— وفاتها — توفيت زينب رضي الله عنها سنة عشرين للهجرة في خلافة عمر، وهي أول أزواج النبي ﷺ موتًا بعده، وكانت في نحو الثالثة والخمسين، وصلّى عليها عمر. وذكر ابن سعد أن عمر لما أرسل لها عطاءها قالت: غفر الله لعمر، غيري من أخواتي كان أقوى على قسم هذا مني، فقسمته كله على الفقراء وذوي رحمها، وكانت تدعو الله ألا يدركها عطاء عمر بعد ذلك العام، فتوفيت. وهذا الخبر في الطبقات ولم نقف له على إسناد قوي، فنذكره على سبيل السير لا الجزم.

العبرة

من جعل الله ورسوله فوق أعراف قومه رضي بالحكم فارتفع قدره. وصدق المرأة في الشهادة ولو على منافستها من أعظم الورع.

المصدر: صحيح البخاري: التفسير (سورة الأحزاب)، التوحيد، الشهادات؛ صحيح مسلم: النكاح، الفضائل، الفتن؛ تفسير ابن كثير وتفسير الطبري (الأحزاب 36-40، 53)؛ الطبقات الكبرى لابن سعد

الدرجة: القصة الرئيسة ثابتة في الصحيحين ومن القرآن الكريم؛ وسبب نزول آية 36 مروي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة في تفاسير ابن كثير والطبري؛ وما رُوي من حكايات في رؤية النبي ﷺ لها لا تثبت؛ وخبر عطاء عمر وقسمته من الطبقات بلا إسناد قوي.