— من هي أم سلمة؟ — هي أم المؤمنين هند بنت أبي أمية بن المغيرة المخزومية القرشية، وأبوها سهيل، وكان يُلقب بزاد الراكب لكرمه كما ذكر ابن سعد وأهل التراجم. تزوجها ابن عمتها عبد الله بن عبد الأسد المخزومي، أبو سلمة رضي الله عنه، وهو من السابقين إلى الإسلام، وهو ابن برة بنت عبد المطلب عمة النبي ﷺ وأخوه من الرضاعة. وقد أنجبت له سلمة وعمر ودرة وزينب. وكانت من أول من هاجر إلى الحبشة، ثم هاجرت إلى المدينة في قصة معروفة في السيرة رواها ابن إسحاق عنها، وهي قصة أخذ قومها ابنها منها وفرّقوا بينها وبين زوجها نحو سنة، وهي تبكي كل يوم في الأبطح حتى رقّ لها أحد بني المغيرة وأذنوا لها، فخرجت وحدها على بعيرها، ولقيها عثمان بن طلحة عند التنعيم فصحبها إلى المدينة وهو يومئذ مشرك، فكانت تقول: ما رأيت صاحبًا قط أكرم من عثمان بن طلحة. وهذه الرواية تُعدّ من أخبار السيرة المقبولة، وقد أفردنا لها قصة قصيرة.
— مصيبة الفقد ودعاء المصيبة — جُرح أبو سلمة يوم أحد، ثم توفي في جمادى الآخرة من السنة الرابعة للهجرة. روى مسلم عن أم سلمة قالت: دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة وقد شقّ بصره فأغمضه، ثم قال: «إن الروح إذا قُبض تبعه البصر». فضجّ ناس من أهله، فقال: «لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمّنون على ما تقولون». ثم قال: «اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وافسح له في قبره ونوّر له فيه». وقالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها، إلا أجره الله في مصيبته وأخلف له خيرًا منها». قالت: فلما توفي أبو سلمة قلت: أي المسلمين خير من أبي سلمة، أول بيت هاجر إلى رسول الله ﷺ؟ ثم إني قلتها، فأخلف الله لي رسول الله ﷺ.
— الخطبة والجواب — ذكرت روايات في مسند أحمد وسنن النسائي والطبقات أن أبا بكر وعمر خطباها فردّتهما، ثم أرسل النبي ﷺ يخطبها، فاعتذرت بأنها امرأة غيور وصاحبة عيال، فجاءها الجواب: أما الغيرة فسيذهبها الله، وأما العيال فإلى الله ورسوله. وتتفاوت أسانيد هذه الروايات، وفي بعضها مقال، لكن المعنى العام ثابت، وهو أن الله أخلفها رسوله ﷺ بعد أبي سلمة، وأن النبي ﷺ تكفّل بأولادها، فنشأوا في بيته. ومن ذلك عمر بن أبي سلمة رضي الله عنه ربيب النبي ﷺ، روى عنه الصحيحان قوله: كنت غلامًا في حِجر رسول الله ﷺ، وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي: «يا غلام سمّ الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك». فما زالت تلك طِعمتي بعد. وروى مسلم عن زينب بنت أبي سلمة أنها سُمّيت برة فقال النبي ﷺ: «لا تزكّوا أنفسكم، الله أعلم بأهل البر منكم» فسمّاها زينب.
— الرأي الذي حلّ العقدة — يوم الحديبية، كتب النبي ﷺ الصلح مع قريش في شروط ظاهرها الغبن على المسلمين، وشقّ ذلك على كثير من الصحابة. روى البخاري في حديث المسور بن مخرمة ومروان أنه ﷺ لما فرغ من قضية الكتاب قال لأصحابه: «قوموا فانحروا ثم احلقوا». قال: فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس. فقالت أم سلمة: يا نبي الله أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم أحدًا منهم كلمة حتى تنحر بُدنك وتدعو حالقك فيحلقك. فخرج فلم يكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك: نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه. فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضًا حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا غمًّا. وقد عدّ العلماء هذا الموقف من أبرز ما يدل على كمال عقل أم سلمة، وعلى مشروعية استشارة النساء في الأمور الكبرى، وعلى أن الامتثال بالفعل أبلغ من الأمر بالقول إذا اشتد على الناس الأمر.
— سؤال القرآن: أين النساء؟ — روى أحمد والترمذي عن أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت: يا رسول الله، ما لنا لا نذكر في القرآن كما يذكر الرجال؟ قالت: فلم يرعني منه ذات يوم إلا ونداؤه على المنبر: «يا أيها الناس». فقلت لجارية تمشطني: استأخري عني. قالت: إنما دعا الرجال ولم يدع النساء. فقلت: إني من الناس. فقال ﷺ: «يا أيها الناس، إن الله يقول: ﴿إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات...﴾». وروى الترمذي نحو ذلك عن أم عمارة الأنصارية. وقد ذكر المفسرون أن الآية جمعت النساء والرجال في الصفات العشر، وبيّنت أن الأجر للجميع على قدر العمل. وهذه من أمثلة تشوّف الصحابيات إلى أن يكون لهن نصيب من الخطاب القرآني، فجاءت الآية جوابًا.
— رؤيتها لجبريل ومسائلها — روى مسلم عن أم سلمة أن جبريل عليه السلام أتى النبي ﷺ وعنده أم سلمة، فجعل يتحدث ثم قام، فقال النبي ﷺ لأم سلمة: «من هذا؟» قالت: دحية. قالت أم سلمة: وايم الله ما حسبته إلا إياه، حتى سمعت خطبة نبي الله ﷺ يخبر عن جبريل. وفي الحج، قالت: إني أشتكي، فقال لها ﷺ: «طوفي من وراء الناس وأنت راكبة»، فطافت ورسول الله ﷺ حينئذ يصلي إلى جنب البيت ويقرأ بالطور (متفق عليه). وسألته عن غسل المرأة من الجنابة: إني امرأة أشدّ ضفر رأسي، أفأنقضه للجنابة؟ قال: «إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين» (مسلم). فكانت من أكثر أمهات المؤمنين سؤالًا عما يخص النساء، وبذلك حفظت للأمة أحكامًا لم تكن تُعرف.
— آخر أمهات المؤمنين — روت أم سلمة نحو ثلاثمئة وثمانين حديثًا على ما ذكره الذهبي، وكانت من أحفظ أزواجه وأكثرهن علمًا بعد عائشة. وعاشت بعد النبي ﷺ عقودًا، وعاشت زمن الفتن بعد مقتل عثمان رضي الله عنه، وتوفيت سنة تسع وخمسين في المشهور، وقيل بعد ذلك بسنين، وهي آخر أمهات المؤمنين وفاة على الأشهر. ودُفنت بالبقيع، وقيل إن أبا هريرة رضي الله عنه صلى عليها.
