— من هي جويرية؟ — هي أم المؤمنين جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار الخزاعية المصطلقية، وأبوها سيد قومه بني المصطلق من خزاعة. كان اسمها برة، فغيّر النبي ﷺ اسمها إلى جويرية، كما روى مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما: كانت جويرية اسمها برة، فحوّل رسول الله ﷺ اسمها جويرية، وكان يكره أن يقال: خرج من عند برة. وكانت قبل ذلك عند مسافع بن صفوان المصطلقي كما ذكر ابن إسحاق، وقيل إنه قُتل في المعركة.
— غزوة المريسيع — وقعت الغزوة في شعبان من السنة الخامسة أو السادسة على اختلاف أهل السير، وسبب الخروج إليهم أنه بلغ النبي ﷺ أن الحارث بن أبي ضرار قائد بني المصطلق يجمع الناس لحربه، فباغتهم عند ماء المريسيع. وفي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما: أغار رسول الله ﷺ على بني المصطلق وهم غارّون وأنعامهم تُسقى على الماء، فقتل مقاتلتهم وسبى سبيهم، وأصاب يومئذ جويرية بنت الحارث. ووقع في هذه الغزوة خبران مشهوران مرويان في الصحيحين: الأول ما رواه البخاري ومسلم عن جابر رضي الله عنه: كنا في غزاة فكسع رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين. فسمع ذلك رسول الله ﷺ فقال: «ما بال دعوى الجاهلية؟ دعوها فإنها منتنة». فسمع بذلك عبد الله بن أبي فقال: قد فعلوها! والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعز منها الأذل. فبلغ ذلك النبي ﷺ، فقام عمر فقال: دعني أضرب عنق هذا المنافق. فقال النبي ﷺ: «دعه لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه». وأنزل الله سورة المنافقون تصديقًا لزيد بن أرقم رضي الله عنه الذي نقل الكلام. والثاني أنه وقعت في الرحلة نفسها حادثة الإفك التي اتُّهمت فيها عائشة رضي الله عنها وبرّأها الله في سورة النور.
— كلمة العزة ووقفة ابن المنافق — قال الله تعالى فيما قاله المنافق: ﴿يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون﴾. وفي جامع الترمذي بإسناد حسن أن عبد الله بن عبد الله بن أبي، ابن رأس المنافقين، وقف لأبيه على باب المدينة وقال له: والله لا تدخلها حتى يأذن لك رسول الله ﷺ، فإنك الأذل وهو العزيز، فلما جاء النبي ﷺ أذن له. وهذا الموقف يُظهر أن الولاء لله ورسوله مقدّم على رابطة الدم، وهو المعنى نفسه الذي سيظهر في حياة جويرية رضي الله عنها حين صارت من أهل بيت النبوة.
— بين الأسر والكتابة — روت عائشة رضي الله عنها في سنن أبي داود ومسند أحمد، وحسّن الحديث بعض المحققين، أن النبي ﷺ لما قسم سبايا بني المصطلق وقعت جويرية بنت الحارث في سهم ثابت بن قيس بن شماس أو لابن عم له، فكاتبت على نفسها، أي اتفقت معه على مال تؤديه لتعتق، وكانت امرأة حلوة ملاحة لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه. قالت عائشة: فأتت رسول الله ﷺ تستعينه في كتابتها، فوالله ما هو إلا أن رأيتها على باب حجرتي فكرهتها، وعرفت أنه سيرى منها ما رأيت. فدخلت عليه فقالت: يا رسول الله، أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه، وقد أصابني من الأمر ما لم يخفَ عليك، فجئتك أستعينك على كتابتي. فقال: «فهل لك في خير من ذلك؟» قالت: وما هو؟ قال: «أقضي عنك كتابتك وأتزوجك». قالت: نعم يا رسول الله. قال: «قد فعلت».
وفي رواية ابن إسحاق أن الكتابة كانت على تسع أواق من ذهب. فكان جواب النبي ﷺ لها أن عرض عليها العتق والزواج معًا، وفي هذا من الرحمة بها وبقومها ما فيه.
— أعظم امرأة بركة على قومها — قالت عائشة: وخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله ﷺ قد تزوج جويرية بنت الحارث، فقال الناس: أصهار رسول الله ﷺ! فأرسلوا ما كان في أيديهم من بني المصطلق، فلقد أُعتق بتزويجه إياها مئة أهل بيت من بني المصطلق، فما أعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها. وفي هذا الحديث تقدير عظيم لقيمة المصاهرة النبوية التي بدّلت وضع أسرى بني المصطلق من الاسترقاق إلى الحرية، فكانت بركة قومها في زواجها. ويُروى في كتب السير أن أباها الحارث جاء بفداء ابنته فأخفى بعيرين عن النبي ﷺ فأخبره الله بهما فأسلم، وهذه القصة لا تثبت بإسناد صحيح، فلا يُعتمد عليها.
— عبادتها وذكرها — ثبت في صحيح مسلم عن ابن عباس عن جويرية رضي الله عنها أن النبي ﷺ خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح وهي في مسجدها، ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة، فقال: «ما زلتِ على الحال التي فارقتك عليها؟» قالت: نعم. قال النبي ﷺ: «لقد قلتُ بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وُزنت بما قلتِ منذ اليوم لوزنتهنّ: سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته». وفي هذا فضل الذكر الجامع، وأن الإكثار من العبادة في موضع الصلاة محمود.
وفي صحيح البخاري عن جويرية أن النبي ﷺ دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة، فقال: «أصمتِ أمس؟» قالت: لا. قال: «تريدين أن تصومي غدًا؟» قالت: لا. قال: «فأفطري». وفي هذا دليل على كراهة إفراد الجمعة بالصوم دون ما قبله أو بعده، وعلى أن النبي ﷺ كان يعلّم نساءه بالموقف.
— وفاتها — توفيت جويرية رضي الله عنها في المدينة في ربيع الأول سنة خمسين في المشهور، وقيل سنة ست وخمسين، وكانت قد بلغت نحو خمس وستين سنة. وقد جاء في بعض الروايات أن مروان بن الحكم صلى عليها وكان أميرًا على المدينة. ولها في كتب الحديث أحاديث قليلة.
