Islamic MixIslamic Mix
‹ الصحابيات وأمهات المؤمنين
الصحابيات وأمهات المؤمنينمشهورمدة القراءة نحو ٤ دقائق

صفية بنت حيي: ابنة هارون التي أحبت الإسلام فصارت أم المؤمنين

صفية بنت حيي بن أخطب رضي الله عنها

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

— نسبها وبيتها — هي أم المؤمنين صفية بنت حيي بن أخطب من بني النضير، وهي من سبط هارون عليه السلام، وأمها برة بنت سموأل من بني قريظة. وكان أبوها حيي بن أخطب سيد بني النضير ومن أشد اليهود عداوة للنبي ﷺ، وقد سعى في الأحزاب، وقُتل مع بني قريظة. وتزوجت أولًا سلّام بن مشكم، ثم كنانة بن أبي الحقيق، وقُتل كنانة يوم خيبر. وقيل إن اسمها كان زينب، فلما صارت في الصفي سُميت صفية، وهو من كلام ابن سعد.

— سبي خيبر — في الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه: فجُمع السبي، فجاء دحية الكلبي فقال: يا نبي الله أعطني جارية من السبي. قال: «اذهب فخذ جارية». فأخذ صفية بنت حيي. فجاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا نبي الله، أعطيت دحية صفية بنت حيي سيدة قريظة والنضير، لا تصلح إلا لك. قال: «ادعوه بها». فجاء بها، فلما نظر إليها النبي ﷺ قال لدحية: «خذ جارية من السبي غيرها». قال: فأعتقها وتزوجها. فقال له ثابت: يا أبا حمزة، ما أصدقها؟ قال: نفسها، أعتقها وتزوجها. حتى إذا كان بالطريق جهّزتها له أم سليم فأهدتها له من الليل، فأصبح النبي ﷺ عروسًا، فقال: «من كان عنده شيء فليجئ به». وبسط نِطعًا، فجعل الرجل يجيء بالتمر، والرجل بالسمن، فحاسوا حيسًا، فكانت وليمة رسول الله ﷺ. وفي رواية أنها حلّت ببلوغ سدّ الصهباء. فلم يجعل الإسلام عتق الأسيرة وزواجها تسخيرًا لها، بل رفعها من الأسر إلى مقام أمهات المؤمنين.

— أخبار السير: الحلم والاختيار — تذكر كتب السير أن صفية رأت قبل ذلك في منامها قمرًا وقع في حجرها، فلما قصّته على زوجها لطمها لطمة اخضرّت منها عينها وقال: تتمنين ملك الحجاز محمدًا. وأنها قالت: ما كان أحد أبغض إليّ من رسول الله ﷺ قتل أبي وزوجي، فما زال يعتذر إليّ ويقول: «إن أباك ألّب عليّ العرب وفعل وفعل» حتى ذهب ذلك من نفسي. وهذه الأخبار مروية في كتب السير بأسانيد لا تخلو من مقال، فلا نجزم بتفاصيلها، لكن في الصحيح ما يغني، وهو أنها بقيت بعد ذلك صادقة المحبة للنبي ﷺ مخلصة له.

— موكب العروس وبداية الحجاب العملي — روى البخاري عن أنس رضي الله عنه أن النبي ﷺ أقام بين خيبر والمدينة ثلاث ليال يُبنى عليه بصفية، فدعوت المسلمين إلى وليمته، وما كان فيها من خبز ولا لحم، وما كان فيها إلا أن أمر بلالًا بالأنطاع فبُسطت فألقي عليها التمر والأقط والسمن. فقال المسلمون: إحدى أمهات المؤمنين أو مما ملكت يمينه؟ فقالوا: إن حجبها فهي من أمهات المؤمنين، وإن لم يحجبها فهي مما ملكت يمينه. فلما ارتحل وطّأ لها خلفه، ومدّ الحجاب بينها وبين الناس. فكان في ذلك إعلام للناس بمقامها الجديد، وأنها زوجة لا أمة.

— غيرة الضرائر والرد النبوي — بلغها يومًا أن حفصة قالت: بنت يهودي. فبكت، فدخل عليها النبي ﷺ وهي تبكي، فقال: «ما يبكيك؟» قالت: قالت لي حفصة إني ابنة يهودي. فقال النبي ﷺ: «إنك لابنة نبي، وإن عمك لنبي، وإنك لتحت نبي، ففيم تفخر عليك؟» ثم قال: «اتقي الله يا حفصة» (رواه الترمذي والنسائي وصحّحه جماعة). وفي هذا درس في معالجة التعيير بالنسب: يردّه النبي ﷺ إلى الشرف الحقيقي في الانتساب إلى الأنبياء.

وفي الصحيحين أن النبي ﷺ كان معتكفًا في المسجد، فأتته صفية تزوره ليلًا، ثم قامت تنقلب، فقام معها ليقلبها، فمرّ رجلان من الأنصار فأسرعا، فقال: «على رسلكما، إنها صفية بنت حيي». فقالا: سبحان الله يا رسول الله! فقال: «إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئًا». وفي الحديث أدب نبوي في سدّ باب الظن السيئ.

— موقف الحج — في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن صفية بنت حيي حاضت في حجة الوداع، فقال رسول الله ﷺ: «أحابستنا هي؟» فقلت: يا رسول الله، إنها قد أفاضت وطافت بالبيت. فقال: «فلتنفر». فبيّن الحديث أن طواف الوداع يسقط عن الحائض.

— صفاتها وسيرتها — وصفتها أهل السير بأنها كانت عاقلة حليمة، وروت أحاديث قليلة. وفي سنن أبي داود أن عائشة قالت: ما رأيت صانعًا طعامًا مثل صفية، صنعت للنبي ﷺ طعامًا فبعثت به، فأخذتني رِعدة فكسرتُ الإناء، فقلت: يا رسول الله ما كفارته؟ قال: «إناء كإناء، وطعام كطعام». وفي رواية النسائي: فما ملكت نفسي أن كسرته. وفي مرضه ﷺ ذكر ابن سعد أنها قالت: إني والله يا نبي الله لوددت أن الذي بك بي، فغمزن أزواجه ببصرهنّ، فقال: «مضمضن»، فقلن: من أي شيء؟ قال: «من تغامزكن بصاحبتكن، والله إنها لصادقة». وفي إسناد هذه الرواية مقال، وهي من أخبار الطبقات.

— بعد النبي ﷺ — ذكر أهل السير أنها وقفت مع عثمان رضي الله عنه في الحصار، وأنها حاولت أن تصل إليه فمنعها الأشتر، وأنها أمدّته بالطعام والماء من بيتها إلى بيته، وهذه الرواية في الطبقات لابن سعد، وإسنادها لا يخلو من نظر. وذكر ابن سعد وغيره أن جارية لها وشت بها إلى عمر زاعمة أنها تحب السبت وتصل اليهود، فسألها عمر، فقالت: أما السبت فلم أحبه منذ أبدلني الله به الجمعة، وأما اليهود فإن لي فيهم رحمًا فأنا أصلها. وفي إسنادها كذلك ما فيه. وتوفيت رضي الله عنها سنة خمسين على الأرجح، وقيل سنة اثنتين وخمسين، ودُفنت بالبقيع.

العبرة

شرف الإيمان فوق شرف النسب، ومن صدقت في إيمانها رفعها الله من الأسر إلى منزلة الأمومة للمؤمنين.

المصدر: صحيح البخاري: المغازي، الحج، الاعتكاف؛ صحيح مسلم: السلام، النكاح؛ جامع الترمذي: المناقب؛ سنن النسائي؛ سنن أبي داود: الأطعمة؛ سيرة ابن إسحاق؛ الطبقات لابن سعد

الدرجة: حديث أنس في خيبر وحديث الاعتكاف وطواف الوداع صحيحة في الصحيحين؛ وحديث (إنك لابنة نبي) رواه الترمذي وصححه جماعة؛ وما في السير من رؤياها وموقفها من عثمان وتهمة الجارية ففي أسانيده مقال.