— من هي أم حبيبة؟ — هي أم المؤمنين رملة بنت أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية، وأمها صفية بنت أبي العاص عمة عثمان بن عفان رضي الله عنه. كان أبوها سيد بني أمية وقائد قريش في حربها على النبي ﷺ، وكانت هي من أوائل من أسلم من بيتها، فاختارت الدين على الأب والعشيرة. وكانت زوجة لعبيد الله بن جحش الأسدي، أخي زينب بنت جحش، وقد أسلم معها وهاجرا إلى الحبشة في الهجرة الثانية، وولدت له حبيبة بنت عبيد الله، ولذلك كُنّيت أم حبيبة.
— هجرة بعد هجرة — ذكر ابن إسحاق وابن سعد أن عبيد الله بن جحش تنصّر بالحبشة، ومات على النصرانية، وكان يقول للمسلمين: فَقَّحنا وصَأصأتم، أي أبصرنا وأنتم تحاولون الإبصار ولم تبصروا. وتروي الطبقات عنها أنها رأت في المنام زوجها في صورة بشعة، ففزعت، فلما أصبح قال لها إنه نظر في الدين فلم يجد خيرًا من النصرانية، فذكّرته بالرؤيا فلم يلتفت، ومات على ذلك. وهذا الخبر لا يثبت بإسناد قوي، لكنه مشهور في السير. والثابت أنها بقيت وحدها في الغربة، مسلمة، أرملة، بعيدة عن أهلها، وأبوها مشرك في مكة.
— زواجها بالنبي ﷺ — تذكر كتب السير أن النبي ﷺ بعث عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي ليخطبها له، فزوّجه إياها النجاشي، وأخرج المهر من عنده. وفي سنن أبي داود من رواية ابن شهاب الزهري أن النجاشي أمهرها عن النبي ﷺ أربعة آلاف درهم، وبعث بها إلى رسول الله ﷺ مع شرحبيل بن حسنة، ووردت روايات أخرى تذكر أربعمائة دينار، فلا يُجزم بمقدار المهر. وكان الذي ولّى عقد نكاحها خالد بن سعيد بن العاص ابن عم أبيها، وقيل عثمان بن عفان. وكان ذلك سنة ست أو سبع للهجرة، وقدمت المدينة سنة سبع مع من رجع من مهاجري الحبشة وقت فتح خيبر. وذكر بعض أهل العلم أن من حكم هذا الزواج إكرامها وجبر خاطرها بعد ما لقيت من فراق أبيها وزوجها.
وقد ذكر بعض المفسرين أن في قوله تعالى: ﴿عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة﴾ إشارة إلى ما كان من هذا الزواج، فإنه كان بداية مصاهرة بين النبي ﷺ وبين بيت أبي سفيان، ثم أسلم أبو سفيان عام الفتح.
— مع أبيها قبل الفتح — ذكر ابن إسحاق أن أبا سفيان قدم المدينة قبل الفتح ليشدّ العهد بعد أن نقضت قريش صلح الحديبية، فدخل على ابنته أم حبيبة، فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله ﷺ طوته دونه، فقال: يا بنية، أرغبتِ بهذا الفراش عني أم بي عنه؟ قالت: بل هو فراش رسول الله ﷺ وأنت امرؤ مشرك نجس، فلم أحب أن تجلس على فراش رسول الله ﷺ. فقال: والله لقد أصابك بعدي شر. وهذه الرواية ذكرها أهل السير ولم أقف على إسناد صحيح لها، ولكنها منسجمة مع حالها، وفيها معنى صحيح في تقديم الولاء للدين على الدم.
— قصة الأمنيات الثلاث — روى مسلم عن ابن عباس أن أبا سفيان قال للنبي ﷺ: ثلاث أعطنيهن، فذكر أن يزوجه أم حبيبة، وأن يجعل معاوية كاتبًا، وأن يؤمّره. وقد نبّه كثير من العلماء، منهم ابن حزم وابن القيم، إلى إشكال في هذه الرواية، لأن زواج النبي ﷺ من أم حبيبة كان قبل إسلام أبي سفيان بسنوات، وقد رأى بعض العلماء أنها وهم من أحد الرواة، وحملها آخرون على أنه طلب تجديد النكاح أو رضا الأب بشكل ما، وهو توجيه فيه بعد. فالأولى أن نذكر الحديث مع التنبيه إلى هذا الإشكال، ولا نجزم بتفاصيله.
— حين أسلم أبوها — وبعد عام الفتح أسلم أبو سفيان رضي الله عنه، وفي صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال يوم الفتح: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن». وفي ذلك إكرام لأبيها وهو يومئذ من أشراف قريش، وقد رأى بعض أهل العلم أن للمصاهرة التي بدأت بزواج أم حبيبة أثرًا في تهيئة قلوب بيت أبي سفيان للإسلام. وأيًّا كان الأمر فقد جمع الله لها بعد الغربة والفقد أن أسلم أبوها وإخوتها، ومنهم معاوية ويزيد بن أبي سفيان رضي الله عنهم.
— دعاؤها وجواب النبي ﷺ — وفي صحيح مسلم أن أم حبيبة قالت: اللهم متعني بزوجي رسول الله ﷺ وبأبي أبي سفيان وبأخي معاوية. فقال لها النبي ﷺ: «لقد سألتِ الله لآجال مضروبة، وأيام معدودة، وأرزاق مقسومة، لن يعجل شيئًا قبل حلّه، أو يؤخر شيئًا عن حلّه، ولو كنت سألتِ الله أن يعيذك من عذاب في النار أو عذاب في القبر كان خيرًا وأفضل». وفي هذا الحديث تعليم عظيم أن أعظم الدعاء ما كان للآخرة، وأن الآجال والأرزاق مكتوبة.
— الصلاة والإحداد — روى مسلم عن أم حبيبة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من عبد مسلم يصلي لله كل يوم ثنتي عشرة ركعة تطوعًا غير فريضة إلا بنى الله له بيتًا في الجنة». قالت أم حبيبة: فما برحت أصلّيهن بعد. وفي الصحيحين أنها لما جاءها نعي أبيها أبي سفيان دعت بطيب في اليوم الثالث فمسحت به ذراعيها وعارضيها، وقالت: إني كنت عن هذا غنية، لولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تُحدّ على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا». فمع حبها لأبيها لم تُرد أن تخرج عن حكم الله، فكان منها بيان عملي أن حدود الشرع فوق العاطفة.
— وفاتها — توفيت رضي الله عنها بالمدينة سنة أربع وأربعين على المشهور، في خلافة أخيها معاوية، وقيل بعد ذلك. وروى ابن سعد أنها دعت عائشة عند موتها، فقالت: قد كان بيننا ما يكون بين الضرائر، فغفر الله لي ولك. فقالت عائشة: غفر الله لك ذلك كله وتجاوز وحلّلك من ذلك. فقالت: سررتني سرّك الله. وكذلك دعت أم سلمة بمثل ذلك. وإسناد هذه الرواية لا يخلو من مقال.
