Islamic MixIslamic Mix
‹ الصحابيات وأمهات المؤمنين
الصحابيات وأمهات المؤمنينموثّقمدة القراءة نحو ٤ دقائق

ميمونة بنت الحارث: آخر زوجات النبي ﷺ ومن دفنت حيث بُني بها

ميمونة بنت الحارث الهلالية رضي الله عنها

— من هي ميمونة؟ — هي أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث بن حزن الهلالية العامرية، وأمها هند بنت عوف الكنانية. وهي خالة عبد الله بن عباس وخالد بن الوليد رضي الله عنهم، فأختها لبابة الكبرى (أم الفضل) زوجة العباس عم النبي ﷺ، وأختها لبابة الصغرى أم خالد بن الوليد. كان اسمها برة فسماها النبي ﷺ ميمونة كما ذكر ابن سعد. وقد تزوجها قبل الإسلام مسعود بن عمرو الثقفي ثم أبو رُهم بن عبد العزى، وتوفي عنها.

— عمرة القضاء — في ذي القعدة من السنة السابعة للهجرة خرج النبي ﷺ في عمرة القضاء بعد صلح الحديبية بنحو سنة. وفي صحيح البخاري عن البراء بن عازب أن الصلح كان على أن يقيم بمكة ثلاثة أيام، وأن يدخل بسلاح الراكب، فلما دخلها ومضت الأيام قالت قريش لعلي: قل لصاحبك فليخرج عنا فقد مضى الأجل. وقد خلت قريش من مكة له ولأصحابه تلك الأيام ووقفت على رؤوس الجبال. وتحقق بذلك ما وعد الله به: ﴿لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون﴾.

— الزواج واختلاف الرواة — روى ابن إسحاق أنها جعلت أمرها إلى أختها أم الفضل، فجعلت أم الفضل أمرها إلى زوجها العباس، فزوّجها العباس النبي ﷺ. وفي البخاري ومسلم عن ابن عباس: تزوج النبي ﷺ ميمونة وهو محرم. وفي مسلم عن يزيد بن الأصم ابن أختها: تزوجني رسول الله ﷺ ونحن حلالان بسرف، وفي الترمذي عن أبي رافع الذي كان رسولًا بينهما أنه تزوجها حلالًا وبنى بها حلالًا. وقد اختلف الصحابة والعلماء في ذلك: فذهب الجمهور إلى ترجيح رواية أنه كان حلالًا، لأنها هي صاحبة القصة وأبو رافع هو السفير بينهما وكلاهما أعرف بالأمر من ابن عباس، وحملوا قول ابن عباس على وهم أو على أنه دخل الحرم، أو على أن المراد أنه كان في الأشهر الحُرم، وذكر ابن المسيب أن ابن عباس وهم في ذلك.

وكان البناء بها في سرف، وهو موضع قرب مكة، لأن قريشًا طلبت منه الخروج بعد انقضاء الأيام الثلاثة ولم تأذن له بإقامة وليمة في مكة، فخرج وبنى بها هناك. فكانت آخر من تزوج من أمهات المؤمنين، ولم يتزوج بعدها.

— ابنة حمزة في عمرة القضاء — وفي البخاري من حديث البراء بن عازب أن النبي ﷺ لما خرج من مكة تبعتهم ابنة حمزة تنادي: يا عم يا عم. فتناولها علي فأخذ بيدها وقال لفاطمة: دونك ابنة عمك فحملتها. فاختصم فيها علي وجعفر وزيد، قال علي: أنا أخذتها وهي بنت عمي، وقال جعفر: ابنة عمي وخالتها تحتي، وقال زيد: ابنة أخي. فقضى بها النبي ﷺ لخالتها وقال: «الخالة بمنزلة الأم». وخالتها هي أسماء بنت عميس زوج جعفر. وفي هذا الخبر الصحيح من أحداث تلك العمرة التي تزوج فيها ميمونة ما يدل على أن الرحلة جمعت بين شعائر العبادة وشؤون الأرحام.

— بيتها وعلم ابن عباس — كانت ميمونة خالة ابن عباس، فكان يبيت عندها ليتعلم صلاة النبي ﷺ. روى البخاري ومسلم عن ابن عباس قال: بتّ عند خالتي ميمونة، وكان النبي ﷺ عندها في ليلتها، فقام يصلّي من الليل فقمت عن يساره، فأخذ برأسي فأقامني عن يمينه. فنقل لنا ابن عباس صفة صلاة الليل من بيت ميمونة. ومن فوائد الحديث أن الصبي المميز يصحّ وقوفه في الصف خلف الإمام أو عن يمينه، وأن إمام النافلة يعدّل موقف المأموم.

— بعض ما روت — روت ميمونة رضي الله عنها حديث غسل النبي ﷺ من الجنابة (متفق عليه): وضعت للنبي ﷺ ماء للغسل فغسل يديه مرتين أو ثلاثًا، ثم أفرغ على شماله فغسل مذاكيره، ثم مسح يده بالأرض، ثم مضمض واستنشق، وغسل وجهه ويديه، ثم أفاض على جسده، ثم تنحّى فغسل قدميه. وناولته منديلًا فلم يأخذه. وروت قصة الفأرة في السمن: سُئل النبي ﷺ عن فأرة سقطت في سمن، فقال: «ألقوها وما حولها فاطرحوه وكلوا سمنكم» (البخاري). وروت أن النبي ﷺ كان إذا سجد لو شاءت بهمة أن تمرّ بين يديه لمرّت. وروت أن ناسًا اختلفوا يوم عرفة في صوم النبي ﷺ، فأرسلت إليه بقدح لبن وهو واقف على بعيره فشربه (متفق عليه). فبيّنت بذلك أنه كان مفطرًا يوم عرفة بعرفة.

— كانت تستدين — وفي سنن ابن ماجه أن ميمونة كانت تدّان، أي تأخذ بالدين، فقيل لها في ذلك، فقالت: سمعت خليلي وصفيّي ﷺ يقول: «ما من أحد يدّان دينًا يعلم الله منه أنه يريد قضاءه إلا أدّاه الله عنه في الدنيا». وصحّح هذا الحديث بعض أهل العلم. وليس فيه ترغيب في الاستدانة بلا حاجة، وإنما فيه أن من استدان وفي نيته الوفاء أعانه الله.

— وفاتها — توفيت ميمونة رضي الله عنها بسرف حيث بُني بها سنة إحدى وخمسين على الأرجح، وقيل غير ذلك. وحضر جنازتها ابن عباس، وفي صحيح البخاري عن عطاء قال: حضرنا مع ابن عباس جنازة ميمونة بسرف، فقال: هذه زوج النبي ﷺ، فإذا رفعتم نعشها فلا تزعزعوه ولا تزلزلوه وارفقوا، فإنه كان عند النبي ﷺ تسع، فكان يقسم لثمان ولا يقسم لواحدة. فرعى للميتة حقّها وكرامتها بعد الموت، كما رعاها في حياتها. وقد شرح العلماء قوله «ولا يقسم لواحدة» بأنها سودة رضي الله عنها التي وهبت يومها لعائشة، كما بيّناه في سيرتها، فلم يكن ﷺ يقسم لها بعد ذلك.

العبرة

رعاية جانب الأقارب والاعتناء بأمر الميت عند حمل نعشه من تمام الأدب. ومن وقف عند الاختلاف في الرواية نظر في الأرجح ولم يتحامل.

المصدر: صحيح البخاري: المغازي، النكاح، الجنائز، الغسل؛ صحيح مسلم: الحج، النكاح، الطهارة؛ جامع الترمذي: الحج؛ سنن ابن ماجه: الصدقات؛ سيرة ابن إسحاق؛ الطبقات لابن سعد؛ سورة الفتح (27)

الدرجة: روايتها لغسل النبي ﷺ وصلاة ابن عباس وقدح اللبن صحيحة في الصحيحين؛ والاختلاف في إحرامه عند الزواج معروف والجمهور على ترجيح الحلّ؛ وحديث الاستدانة صححه بعض المحققين؛ وتاريخ وفاتها مختلف فيه.