— الطفولة في بيت الابتلاء — هي فاطمة بنت محمد رسول الله ﷺ وأمها خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، وهي أصغر بناته على ما ذكره ابن سعد وغيره. وقد اختلف أهل السير في سنة ولادتها: فقيل قبل البعثة بنحو خمس سنين حين كانت قريش تجدد بناء الكعبة، وقيل بعد البعثة، ولا يُجزم بسنة بعينها. وذكر أهل السير أنها كنيت بأم أبيها لما كانت تقوم عليه من رعاية. وكان من أخبارها الصحيحة في مكة ما رواه البخاري ومسلم عن ابن مسعود أن النبي ﷺ كان يصلي عند الكعبة فجاء عقبة بن أبي معيط بسلى جزور فألقاه على ظهره وهو ساجد، فجاءت فاطمة، وهي جويرية، فأخذته عن ظهره ودعت على من صنع. فعاشت منذ صغرها مشاهد أذى قريش لأبيها ﷺ، وصبرت.
— الزواج المبارك — تزوجت فاطمة رضي الله عنها من علي بن أبي طالب رضي الله عنه بعد بدر في السنة الثانية للهجرة على ما ذكره أهل السير. وقد ذكر النسائي من حديث بريدة أن أبا بكر وعمر خطباها فرد النبي ﷺ كلًّا منهما بلطف، ثم خطبها علي وليس عنده إلا درعه، فأعطاه النبي ﷺ لها مهرًا كما سبق في قصة مستقلة. وروى أحمد والنسائي من حديث علي رضي الله عنه: جهّز رسول الله ﷺ فاطمة في خميل وقربة ووسادة من أدم حشوها إذخر، وحسّن الألباني إسناده. والخميل القطيفة، والإذخر نبات طيب الريح، فكان جهازها بسيطًا للغاية، وتلك بساطة أهل النبوة.
— الرحى والتسبيح — روى الشيخان عن علي رضي الله عنه أن فاطمة اشتكت ما تلقى من الرحى في يدها، وبلغها أن النبي ﷺ أتي بسبي، فأتته تسأله خادمًا فلم تجده فذكرت ذلك لعائشة، فلما جاء النبي ﷺ أخبرته عائشة، فجاءنا وقد أخذنا مضاجعنا فذهبنا نقوم فقال: «على مكانكما»، فقعد بيننا حتى وجدت برد قدميه على صدري، فقال: «ألا أدلّكما على خير مما سألتماني؟ إذا أخذتما مضاجعكما فكبّرا أربعًا وثلاثين، وسبّحا ثلاثًا وثلاثين، واحمدا ثلاثًا وثلاثين، فهو خير لكما من خادم». وقال علي: فما تركتها بعد. وفي هذا بيان ما كانت عليه من شدة العيش وهي بنت سيد الخلق، فآثر الله لها ما هو خير من الدنيا.
— حبه ﷺ لها — روى أبو داود والترمذي عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما رأيت أحدًا كان أشبه سمتًا ودلًّا وهديًا برسول الله ﷺ في قيامها وقعودها من فاطمة، وكانت إذا دخلت عليه قام إليها فقبّلها وأجلسها في مجلسه، وكان إذا دخل عليها قامت إليه فأخذت بيده فقبّلته وأجلسته في مجلسها. وصحّح الحديث الألباني وغيره. وفي الصحيحين من حديث المسور بن مخرمة أن عليًّا خطب بنت أبي جهل على فاطمة، فسمع النبي ﷺ ذلك فقام على المنبر فقال: «إن فاطمة مني، وأنا أتخوف أن تُفتن في دينها»، ثم ذكر صهرًا له من بني عبد شمس فأثنى عليه في مصاهرته إياه، قال: «حدّثني فصدقني، ووعدني فوفى لي، وإني لست أحرّم حلالًا ولا أحلّ حرامًا، ولكن والله لا تجتمع بنت رسول الله ﷺ وبنت عدو الله مكانًا واحدًا أبدًا». وفي رواية «فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني». وقد بيّن العلماء أن النبي ﷺ لم يحرّم الجمع بين الزوجات، ولكنه منع جمع بنت رسول الله ﷺ مع بنت عدوّ الله لما فيه من أذى ومفسدة، فترك علي الخطبة. والصهر المقصود في الحديث هو أبو العاص بن الربيع زوج زينب رضي الله عنها.
— الأولاد وأهل الكساء — ولدت لعلي الحسن والحسين وزينب وأم كلثوم، وذكر بعض أهل السير ابنًا رابعًا يسمى محسنًا مات صغيرًا. ولما نزلت آية المباهلة ﴿فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم﴾ دعا رسول الله ﷺ عليًّا وفاطمة وحسنًا وحسينًا فقال: «اللهم هؤلاء أهلي» (رواه مسلم عن سعد بن أبي وقاص). وروى الترمذي بإسناد صحيح أن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة.
— البكاء والضحك في مرض الوفاة — روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: أقبلت فاطمة تمشي كأن مشيتها مشي النبي ﷺ، فقال: «مرحبًا بابنتي». ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله ثم أسرّ إليها حديثًا فبكت بكاءً شديدًا، فلما رأى جزعها أسرّ إليها الثانية فضحكت. فقلت لها: خصّك رسول الله ﷺ بالسرّ من بين نسائه ثم أنت تبكين؟ فلما قام سألتها: ما قال لك؟ قالت: ما كنت لأفشي على رسول الله ﷺ سرّه. فلما توفي سألتها فقالت: أسرّ إليّ: «إن جبريل كان يعارضني القرآن كل سنة مرة، وإنه عارضني العام مرتين، ولا أراه إلا حضر أجلي، وإنك أول أهل بيتي لحاقًا بي». فبكيت. فقال: «أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة، أو نساء المؤمنين؟» فضحكت. فكان ضحكها لبشارة اللحاق به وسيادة النساء، وبكاؤها لخبر موته.
— الميراث والمشكلة — بعد وفاة النبي ﷺ أرسلت فاطمة إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه تسأل ميراثها مما ترك رسول الله ﷺ مما أفاء الله عليه بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر، فقال أبو بكر: إن رسول الله ﷺ قال: «لا نورَّث، ما تركنا صدقة»، وإني والله لا أغيّر شيئًا من صدقة رسول الله ﷺ عن حالها التي كانت عليها في عهد رسول الله ﷺ، ولأعملنّ فيها بما عمل به. وقال: والله لقرابة رسول الله ﷺ أحب إليّ أن أصل من قرابتي. قال البخاري: فغضبت فاطمة بنت رسول الله ﷺ فهجرت أبا بكر، فلم تزل مهاجرته حتى توفيت. وقد بيّن العلماء أن الهجر هنا ترك الكلام لما في النفس من ألم، وليس هجرانًا محرّمًا فوق ثلاث، لأنها لم تُرد إلا ما رأته حقًّا لها، وأبو بكر عمل بسنة سمعها من النبي ﷺ. وروى البيهقي أن أبا بكر ذهب إليها فاسترضاها حتى رضيت، لكن هذه الرواية مرسلة، فلا تقوم حجة بها. وفي الحديث نفسه عند البخاري أن عليًّا رضي الله عنه بايع أبا بكر بعد وفاتها، وقال له: إنا قد عرفنا فضلك وما أعطاك الله، ولم ننفس عليك خيرًا ساقه الله إليك. فبقي الخلاف في مسألة اجتهادية في الميراث، لا في الأخوّة والولاء.
— وفاتها — عاشت بعد النبي ﷺ ستة أشهر على الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم عن عائشة، وتوفيت ليلة الثلاثاء من رمضان سنة إحدى عشرة للهجرة، وقيل غير ذلك في التاريخ. وقد ذكر البخاري أن عليًّا دفنها ليلًا ولم يؤذن بها أبا بكر وصلى عليها. وكانت دون الثلاثين من عمرها، وقد ثبت أنها أول أهل بيت النبي ﷺ لحاقًا به، كما أخبرها رسول الله ﷺ. ودُفنت بالبقيع على المشهور، وقيل في غير ذلك من المواضع، ولا يُعلم قبرها على التحقيق.
