— أكبر بناته — هي زينب بنت محمد رسول الله ﷺ وأمها خديجة رضي الله عنها، وهي أكبر بناته على ما ذكر ابن إسحاق، ولدت قبل البعثة، وتزوجها ابن خالتها أبو العاص بن الربيع، وأمه هالة بنت خويلد أخت خديجة. وكان أبو العاص من رجالات مكة المشهورين بالأمانة والتجارة، وذكر ابن سعد أن خديجة هي التي سألت النبي ﷺ أن يزوجه.
— إسلامها وبقاء زوجها — أسلمت زينب مع أهل بيتها، وبقي أبو العاص على دينه. وهذا من ابتلاء الله لها أن تعيش بين أب نبي وزوج لم يسلم. ثم هاجر النبي ﷺ إلى المدينة وبقيت هي في مكة عند زوجها. وفي غزوة بدر خرج أبو العاص مع قريش، فأُسر، فبعثت زينب في فدائه مالًا وقلادة كانت لخديجة أدخلتها عليه بها حين بنى بها. فلما رآها رسول الله ﷺ رقّ لها رقة شديدة، وقال لأصحابه: «إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها الذي لها فافعلوا». فقالوا: نعم يا رسول الله. وفعلوا، وأطلقوه (رواه أبو داود وأحمد بإسناد حسّنه المحققون). وأخذ عليه النبي ﷺ عهدًا أن يخلي سبيل زينب إليه.
— الهجرة — وفاءً بعهده أرسل أبو العاص زينب إلى المدينة، فبعث النبي ﷺ زيد بن حارثة ورجلًا من الأنصار إلى بطن يأجج ليصحباها. وذكر ابن إسحاق أن المشركين اعترضوا طريقها بين مكة والمدينة، وأن هبّار بن الأسود روّعها وهي حامل فألقت حملها. وإسناد هذا الخبر لا يخلو من مقال، فلا يُعتمد في تفاصيله، لكنه ثابت أن زينب خرجت مهاجرة بعد بدر وقد أصابها بعض الأذى في الطريق.
— الجوار — بقي أبو العاص على شركه سنوات، وزينب في المدينة. وذكر ابن إسحاق وغيره أنه خرج بتجارة إلى الشام، فلما رجع لقيته سرية من المسلمين بقيادة زيد بن حارثة فأخذوا ما معه وأفلت هو، فدخل المدينة ليلًا فاستجار بزينب، فأجارته. وقالت وهي في صف النساء حين كبّر النبي ﷺ لصلاة الصبح: أيها الناس إني قد أجرت أبا العاص بن الربيع. فلما سلّم النبي ﷺ قال: «أيها الناس، هل سمعتم ما سمعت؟» قالوا: نعم. قال: «أما والذي نفسي بيده ما علمت بشيء من ذلك حتى سمعتموه، إنه يجير على المسلمين أدناهم». ثم دخل على ابنته فقال: «أي بنية، أكرمي مثواه، ولا يخلصنّ إليك فإنك لا تحلين له». وقال لأهل السرية: «إن هذا الرجل منا حيث علمتم، وقد أصبتم له مالًا، فإن تحسنوا وتردّوا عليه الذي له فإنا نحب ذلك، وإن أبيتم فهو فيء الله الذي أفاءه عليكم فأنتم أحق به». فردّوا عليه ماله، حتى إن الرجل ليأتي بالدلو، ويأتي الرجل بالشنّة، ويأتي الرجل بالإداوة، على ما في السيرة. وهذا الخبر رواه ابن إسحاق والبيهقي وغيرهما، وقد حسّن إسناده بعض أهل العلم، وهو ثابت في أصله.
— الإسلام والعودة — رجع أبو العاص إلى مكة فأدى لكل ذي مال ماله، ثم قال: يا معشر قريش، هل بقي لأحد منكم عندي مال لم يأخذه؟ قالوا: لا، فجزاك الله خيرًا فقد وجدناك وفيًّا كريمًا. قال: فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، والله ما منعني من الإسلام عنده إلا تخوّف أن تظنوا أني إنما أردت أن آكل أموالكم، فلما أداها الله إليكم وفرغت منها أسلمت. ثم قدم المدينة. وفي رد زينب إلى زوجه ورد في الترمذي وأبي داود وأحمد عن ابن عباس: ردّ رسول الله ﷺ ابنته زينب على أبي العاص بالنكاح الأول بعد ست سنين ولم يحدث شيئًا. وفي رواية أخرى عن عمرو بن شعيب أنه ردها بنكاح جديد. وقد نقل الترمذي عن يزيد بن هارون أن حديث ابن عباس أجود إسنادًا، وأن العمل عند كثير من أهل العلم على أن المرأة إذا أسلمت قبل زوجها ثم أسلم وهو في عدتها فهو أحق بها. وقد أشكلت طول المدة على بعضهم، وحملها آخرون على اختلاف الرواة في الابتداء. واختلف في المدة بين فراقهما ورجوعه فقيل ست سنين، وقيل سنتان وأشهر، لاختلافهم في ابتدائها، فلا نجزم بالتفاصيل.
— ثناء النبي ﷺ على صهره — في الصحيحين في الحديث السابق ذكره أن النبي ﷺ ذكر صهرًا له من بني عبد شمس فأثنى عليه في مصاهرته إياه وقال: «حدّثني فصدقني، ووعدني فوفى لي». وهو أبو العاص بن الربيع زوج زينب. فكان وفاؤه لزوجته ولأبيها شهادة نبوية، وهو مثال على أن الإسلام يقدّر الأمانة والوفاء حتى قبل الإيمان.
— وفاتها — توفيت زينب رضي الله عنها في السنة الثامنة للهجرة، وقيل في جمادى الأولى. وفي الصحيحين عن أم عطية الأنصارية رضي الله عنها قالت: دخل علينا رسول الله ﷺ ونحن نغسل ابنته، فقال: «اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافورًا أو شيئًا من كافور، فإذا فرغتن فآذنني». فلما فرغنا آذنّاه فألقى إلينا حِقْوَه فقال: «أشعِرْنها إياه»، أي اجعلنه شعارها الذي يلي جسدها. وفي رواية: فضفرنا شعرها ثلاثة قرون وألقيناها خلفها. وفي رواية مسلم أن البنت المذكورة هي زينب. واستدل العلماء بهذا الحديث على كيفية غسل الميت وتكفين المرأة وضفر شعرها.
وبقي أبو العاص بعدها وفيًّا، وتوفي سنة اثنتي عشرة للهجرة في خلافة أبي بكر رضي الله عنه. وخلّفت زينب ابنة هي أمامة، التي كان النبي ﷺ يحملها في الصلاة، كما ثبت في الصحيحين، وولدًا اسمه علي ذكر أهل السير أنه مات صغيرًا.
