Islamic MixIslamic Mix
‹ الصحابيات وأمهات المؤمنين
الصحابيات وأمهات المؤمنينمشهورمدة القراءة نحو ٤ دقائق

رقية وأم كلثوم بنتا النبي ﷺ: ذو النورين وبيت النبوة

رقية وأم كلثوم بنتا رسول الله ﷺ رضي الله عنهما

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

— بنتان في بيت أبي لهب — هما رقية وأم كلثوم، بنتا رسول الله ﷺ وخديجة رضي الله عنهم. وقد كانتا قبل البعثة مخطوبتين لابني عمهما أبي لهب: رقية لعتبة، وأم كلثوم لعتيبة، كما ذكر ابن إسحاق وابن سعد. فلما بعث الله نبيه ﷺ وصدع بالدعوة على الصفا، قال أبو لهب: تبًّا لك، ألهذا جمعتنا؟ كما في الصحيحين عن ابن عباس. فأنزل الله: ﴿تبت يدا أبي لهب وتب ما أغنى عنه ماله وما كسب سيصلى نارًا ذات لهب وامرأته حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد﴾. وذكر أهل السير أن أبا لهب وزوجته أم جميل قالا لولديهما: رأسي من رأسكما حرام إن لم تطلقا ابنتي محمد. فطلقاهما قبل الدخول. فصرف الله البنتين عن بيت العداوة.

وهذا مما ذكرته كتب السيرة وإسناده لا يخلو من مقال، لكن أصل الفراق ثابت، ولم تبق واحدة منهما عند آل أبي لهب.

— معاني السورة التي فرّقت البيوت — ذكر المفسرون كابن كثير أن معنى ﴿تبت﴾ خسرت وخابت، وأن ﴿وما كسب﴾ فسّره مجاهد وغيره بالولد، أي أن ماله وولده لم يدفعا عنه ما نزل به. وفي ﴿حمالة الحطب﴾ قولان مشهوران: أنها كانت تمشي بالنميمة بين الناس، وأنها كانت تحمل الشوك فتضعه في طريق النبي ﷺ، وفي ﴿جيدها حبل من مسد﴾ أنه حبل من ليف أو سلسلة في الآخرة. فالسورة هي الجواب عن أذى عمه الذي صد عن الدعوة، وفيها دليل على أن القرابة بالنسب لا تنفع مع العداوة لدين الله.

— رقية مع عثمان: الهجرة الأولى — تزوج عثمان بن عفان رضي الله عنه رقيةَ بمكة، وكان من أوائل المسلمين وأغنيائهم. وهاجرا إلى الحبشة في الهجرة الأولى، وهما أول من خرج بأهله إلى الله بعد إبراهيم ولوط عليهما السلام، كما ذكر أهل السير ورواه الحاكم وغيره من حديث أنس رضي الله عنه، وفي إسناده مقال. وتذكر الروايات أن خبرهما انقطع عن النبي ﷺ فجعل يترقب، فجاءته امرأة فأخبرته أنها رأتهما، فقال: «صحبهما الله، إن عثمان لأول من هاجر بأهله بعد لوط». وروى أهل السير أن رقية ولدت في الحبشة عبد الله، وبه كان يُكنى عثمان، وأنه نقره ديك في وجهه فمرض فمات وله ست سنين. وهذا الخبر في الطبقات ولا نقف له على إسناد قوي. ثم رجعا إلى مكة وهاجرا إلى المدينة.

— الابتلاء يوم بدر — خرج النبي ﷺ إلى بدر في رمضان سنة اثنتين، وكانت رقية مريضة، فأمر عثمان بالبقاء على تمريضها. روى البخاري عن ابن عمر قال: وأما تغيّبه عن بدر فإنه كانت تحته بنت رسول الله ﷺ وكانت مريضة، فقال له رسول الله ﷺ: «إن لك أجر رجل ممن شهد بدرًا وسهمه». فكان له أجر المجاهد وسهمه من الغنيمة. وروى أحمد وابن سعد عن أسامة بن زيد قال: أتانا الخبر حين سوينا التراب على رقية بنت رسول الله ﷺ، فجاء زيد بن حارثة بالبشارة بنصر بدر. فاجتمع عزاء وبشرى في يوم واحد، فتوفيت رقية رضي الله عنها ودُفنت في البقيع.

— أم كلثوم: بعد الفراق — بقيت أم كلثوم في مكة مع أبيها ﷺ حتى هاجرت إلى المدينة بعد استقراره بها مع فاطمة وسودة وأم أيمن وأسامة وغيرهم، لما قدم زيد بن حارثة بهم. وأما عتيبة فقد ذكر أهل السير أنه جاء إلى النبي ﷺ فقال: كفرت بالنجم إذا هوى وبالذي دنا فتدلى، وطلق ابنته وتفل في وجهه، فدعا عليه النبي ﷺ فقال: «اللهم سلّط عليه كلبًا من كلابك». فخرج عتيبة مع قافلة إلى الشام، فجاء أسد فافترسه بالزرقاء. وهذه القصة رواها البيهقي والحاكم وفي إسنادها مقال، وهي مشهورة في السير فلا نجزم بتفاصيلها.

— الزواج من عثمان — تزوج عثمان أم كلثوم في ربيع الأول سنة ثلاث، وبنى بها في جمادى الآخرة منها، كما ذكر ابن سعد. ولُقّب عثمان بذي النورين لأنه تزوج بنتي النبي ﷺ، وهو لقب مشهور عند أهل العلم، ولم يصح في تعليله نص مرفوع. وقد وردت أحاديث ضعيفة مثل «لو كان عندنا ثالثة لزوجناها عثمان» وبعضها بلفظ «لو كان لي عشر لزوجتهن عثمان»، ولا تثبت، فلا نعتمد عليها في ذكر فضله، وفضائل عثمان رضي الله عنه الصحيحة كثيرة غير هذه.

— وفاتها — توفيت أم كلثوم رضي الله عنها في شعبان سنة تسع للهجرة، ولم تنجب. وروى البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: شهدنا بنتًا لرسول الله ﷺ، قال: ورسول الله ﷺ جالس على القبر، قال: فرأيت عينيه تدمعان. قال: فقال: «هل فيكم من أحد لم يقارف الليلة؟» فقال أبو طلحة: أنا. قال: «فانزل في قبرها». قال: فنزل في قبرها فقبرها. قال ابن حجر وغيره: المراد بالبنت أم كلثوم رضي الله عنها؛ لأن رقية كانت قد ماتت يوم بدر، والمراد بعدم المقارفة أن لا يكون جامع تلك الليلة. وفيه أن رسول الله ﷺ جلس على قبر ابنته وبكى رحمة، وهو الذي قال لما مات ابنه إبراهيم: «تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا» كما في الصحيحين.

— أثر هاتين الأختين — كانت حياة هاتين الأختين ثمرة صبر في بيت النبوة: فارقتا ابني عمهما بسبب الدين، وتزوجتا من أكرم الناس خلقًا وحياءً، ولم يُنقل عنهما إلا الصبر والستر. وجاء في الحديث الصحيح أن عثمان رضي الله عنه تُستحيي منه الملائكة (مسلم)، فكان هذا الحياء عنوان بيته. أما خلافة عثمان وفضائله فلها مواضع أخرى.

العبرة

من فارقت بيت العداوة لدينها عوّضها الله بيتًا من الصالحين، وابتلاء الأحبة بالمرض والموت يقابله الله بالأجر والبشارة.

المصدر: صحيح البخاري: المناقب، المغازي، الجنائز؛ صحيح مسلم: الإيمان، الفضائل؛ مسند أحمد؛ المستدرك للحاكم؛ دلائل النبوة للبيهقي؛ سيرة ابن إسحاق؛ الطبقات لابن سعد؛ فتح الباري؛ سورة المسد

الدرجة: ما في الصحيحين ثابت: سورة المسد وسبب نزولها، وأجر عثمان في بدر، وجلوس النبي ﷺ على القبر؛ وأمر الطلاق والهجرة مروي في السير بإسناد فيه مقال؛ وما ورد في (لو كان لي ثالثة) ضعيف لا يثبت؛ وقصة عتيبة والأسد مشهورة في السير وفي إسنادها كلام.