Islamic MixIslamic Mix
‹ الصحابيات وأمهات المؤمنين
الصحابيات وأمهات المؤمنينمشهورمدة القراءة نحو ٤ دقائق

أسماء بنت أبي بكر: ذات النطاقين وأم الشهيد ابن الزبير

أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

— بيتها ونسبها — هي أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما، أمها قتيلة بنت عبد العزى، وهي أخت عائشة لأبيها، وكانت تكبر عائشة بعشر سنين على ما ذكره ابن أبي الزناد. أسلمت قديمًا في مكة، وتذكر كتب التراجم أنها من أوائل المسلمات، وتزوجها الزبير بن العوام رضي الله عنه، فصارت من أسرة الحواريين.

— ليلة الغار وجرأتها — في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها: فجهّزناهما أحثّ الجهاز، وصنعنا لهما سفرة في جراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب، فبذلك سُميت ذات النطاقين. وكانت تأتيهما بالطعام في غار ثور، وقد كانت حاملًا آنذاك. وروى ابن إسحاق وأحمد بإسناد حسّنه المحققون أن أسماء قالت: لما خرج رسول الله ﷺ وأبو بكر أتانا نفر من قريش فيهم أبو جهل، فوقفوا على باب أبي بكر فخرجت إليهم، فقالوا: أين أبوك يا بنت أبي بكر؟ قلت: لا أدري والله أين أبي. قالت: فرفع أبو جهل يده، وكان فاحشًا خبيثًا، فلطم خدي لطمة طُرح منها قرطي. ثم انصرفوا.

— جدها الأعمى — وفي مسند أحمد بإسناد صحّحه بعض المحققين أن أبا قحافة، وكان قد ذهب بصره، دخل عليهم فقال: إني لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه. قالت: كلا يا أبت إنه قد ترك لنا خيرًا كثيرًا. قالت: فأخذت أحجارًا فوضعتها في كوة البيت الذي كان أبي يضع ماله فيها، ثم وضعت عليها ثوبًا، ثم أخذت بيده فقلت: يا أبت ضع يدك على هذا المال. فوضع يده عليه، فقال: لا بأس، إن كان ترك لكم هذا فقد أحسن، وفي هذا بلاغ لكم. قالت: ولا والله ما ترك لنا شيئًا، ولكن أردت أن أسكّن الشيخ بذلك. وفي هذا موقف ذكاء وحنان وصبر.

— أول مولود في الإسلام بالمدينة — وفي الصحيحين عن أسماء قالت: إنها حملت بعبد الله بن الزبير بمكة، قالت: فخرجت وأنا مُتِمّ، فأتيت المدينة فنزلت بقباء فولدته بقباء، ثم أتيت به رسول الله ﷺ فوضعته في حجره، ثم دعا بتمرة فمضغها، ثم تفل في فيه، فكان أول شيء دخل جوفه ريق رسول الله ﷺ، ثم حنّكه بالتمرة، ثم دعا له وبرّك عليه، وكان أول مولود وُلد في الإسلام. ففرحوا به فرحًا شديدًا، لأنهم قيل لهم: إن اليهود قد سحرتكم فلا يولد لكم.

— العيش مع الزبير — وصفت أسماء حياتها مع الزبير فقالت: تزوجني الزبير وما له في الأرض من مال ولا مملوك ولا شيء غير ناضح وغير فرسه، فكنت أعلف فرسه وأستقي الماء وأخرز غربه وأعجن، ولم أكن أحسن أخبز، وكان يخبز جارات لي من الأنصار، وكن نسوة صدق، وكنت أنقل النوى من أرض الزبير التي أقطعه رسول الله ﷺ على رأسي وهي على ثلثي فرسخ (متفق عليه). وقد أفردنا لهذه القصة موضعًا، وهي تبين أنها كانت تعمل ولم تستنكف من العمل ولا من شظف العيش، ثم بسط الله على الزبير فكان يُنفق، وكانت هي تتصدق مما أتاها.

— علمها وأسئلتها — كانت أسماء تسأل رسول الله ﷺ فيما يخص النساء. روت أسماء في الصحيحين أن امرأة سألت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إن ابنتي أصابتها الحصبة فتمرّق شعرها، وإني زوجتها أفأصل فيه؟ فقال: «لعن الله الواصلة والمستوصلة». وروت أن امرأة سألت النبي ﷺ: إحدانا يصيب ثوبها من دم الحيضة، كيف تصنع؟ فقال: «تحتّه، ثم تقرصه بالماء، ثم تنضحه، ثم تصلي فيه». وروت في صلاة الكسوف: أتيت عائشة وهي تصلي والناس قيام، فقلت ما للناس؟ فأشارت برأسها إلى السماء فقالت: سبحان الله. قلت: آية؟ فأشارت: نعم. وروت أن النبي ﷺ قال بعد الصلاة: «ما من شيء لم أكن أُريتُه إلا قد رأيته في مقامي هذا حتى الجنة والنار، ولقد أُوحي إليّ أنكم تُفتنون في القبور...» ثم ذكر سؤال الملكين (البخاري).

— الصلة بالأم المشركة — وفي الصحيحين قالت أسماء: قدمت عليّ أمي وهي مشركة في عهد رسول الله ﷺ، فاستفتيت رسول الله ﷺ قلت: إن أمي قدمت وهي راغبة، أفأصل أمي؟ قال: «نعم، صلي أمك». فنزلت فيها ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين﴾ على ما ذكره بعض المفسرين. وهذا موقف يعلّمنا البر بالوالدين غير المسلمين.

— مع ابنها ابن الزبير والحجاج — عاشت أسماء طويلًا حتى شهدت فتنة ابن الزبير. وقد قُتل ابنها عبد الله سنة ثلاث وسبعين على يد الحجاج بن يوسف بعد حصار مكة. وتذكر كتب التاريخ أنها نصحته وثبّتته، وقالت له: إن كنت على حق وتدعو إلى حق فامض، فلا تمكّن من رقبتك غلمان بني أمية. وقالت له كلمتها المشهورة: وما يضرّ الشاة سلخها بعد ذبحها. وهذا الخبر مشهور عند أهل التاريخ ولكن أسانيده لا تخلو من مقال، فنرويه على سبيل التاريخ.

وفي صحيح مسلم أن الحجاج دخل عليها بعد قتل ابنها فقال: يا أمه، إن أمير المؤمنين وصّاني بك، فهل لك من حاجة؟ فقالت: ما لي إليك حاجة، ولكن أحدّثك: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يخرج في ثقيف كذّاب ومُبير»، فأما الكذاب فرأيناه، وأما المبير فلا إخالك إلا إياه. فقام عنها ولم يراجعها. وفي رواية: قال لها: كيف رأيتني صنعت بعدو الله؟ قالت: رأيتك أفسدت عليه دنياه، وأفسد عليك آخرتك.

— وفاتها — توفيت أسماء رضي الله عنها بعد ابنها بنحو عشرة أيام، وكانت قد بلغت المئة، ولم يسقط لها سن ولم يتغير عقلها كما ذكر ابن سعد والذهبي، وكان ذلك سنة ثلاث وسبعين، وهي آخر المهاجرين والمهاجرات موتًا.

العبرة

من صبرت على شظف العيش وذكّرت ابنها بالثبات على الحق عند الموت، ثم واجهت الظالم بحديث النبي ﷺ لا تخاف في الله لومة.

المصدر: صحيح البخاري: الجهاد، النكاح، العتق، الكسوف، الأدب، المناقب؛ صحيح مسلم: السلام، فضائل الصحابة، اللباس؛ مسند أحمد؛ سيرة ابن إسحاق؛ الطبقات لابن سعد؛ سير أعلام النبلاء

الدرجة: ما في الصحيحين ثابت؛ وقصة أبي جهل وأبي قحافة في مسند أحمد وسنده حسن عند المحققين؛ وكلماتها لابنها قبل مقتله مشهورة في التاريخ وأسانيدها لا تخلو من مقال.