Islamic MixIslamic Mix
‹ الصحابيات وأمهات المؤمنين
الصحابيات وأمهات المؤمنينمشهورمدة القراءة نحو ٥ دقائق

الشفاء بنت عبد الله: معلمة الكتابة والرقية وحاضرة رأي عمر

الشفاء بنت عبد الله العدوية رضي الله عنها

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

— من هي الشفاء؟ — هي الشفاء بنت عبد الله بن عبد شمس العدوية القرشية، اسمها ليلى، وغلب عليها لقب الشفاء. أسلمت قبل الهجرة، وبايعت النبي ﷺ، وهي من المهاجرات الأول، كما ذكر ابن عبد البر وابن سعد وابن حجر. وهي من بني عدي قوم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وتزوجت أبا حثمة بن حذيفة وأنجبت منه سليمان بن أبي حثمة. وذكر ابن عبد البر أنها كانت من عقلاء النساء وفضلائهن.

— بيعة النساء — قال الله تعالى: ﴿يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئًا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم﴾. وهذه البيعة هي بيعة النساء، وقد ذكر ابن سعد أن الشفاء بايعت النبي ﷺ، وفي هذه البيعة تعهد بالتوحيد والعفاف وحفظ الأولاد وترك البهتان. وقد ذكرت عائشة رضي الله عنها كما في صحيح البخاري أن النبي ﷺ كان يمتحنهن بهذه الآية ولا يصافح امرأة في البيعة، وأن بيعتهن كانت بالكلام.

— رقية النملة — روى أبو داود بإسناد صحيح عن الشفاء بنت عبد الله قالت: دخل عليّ رسول الله ﷺ وأنا عند حفصة فقال لي: «ألا تُعلّمين هذه رقية النملة كما علّمتيها الكتابة». والمقصود برقية النملة نوع من الرقى كانت معروفة عند الشفاء، فأقرّها النبي ﷺ فيما يظهر من الحديث، إذ لم يكن فيها شرك، كما قال ﷺ: «اعرضوا عليّ رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم تكن شركًا» (رواه مسلم عن عوف بن مالك). والنملة قروح تخرج في الجنب على ما ذكره العلماء. وليس في الحديث نص على لفظ هذه الرقية، فلا نذكر لفظًا لا نتحقق منه.

— معلمة الكتابة — الفائدة الثانية في الحديث أن الشفاء كانت تعلّم حفصة بنت عمر الكتابة، وأن النبي ﷺ لم ينكر ذلك بل ذكره مقرًّا له. وفي هذا أن تعلّم الكتابة للنساء مشروع. وقد نصّ العلماء على أن هذا الحديث دليل على جواز تعليم المرأة الكتابة، ويستفاد منه أن حفصة التي حفظت صحف القرآن كانت متعلمة، وأن في بيوت النبوة كتابة وعلمًا.

— الشفاء وعمر — ذكر ابن عبد البر في الاستيعاب أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقدّمها في الرأي ويرعاها ويفضّلها، وربما ولّاها شيئًا من أمر السوق. وقد استنبط بعض الباحثين من هذه العبارة أنها كانت أول من عُرف عنها ما يشبه الحسبة في السوق، وهو استنباط من عبارة لا نص فيها على تفاصيل، فنذكره بقدره دون مبالغة.

— صلاة الفجر في جماعة — ومن أصح ما ورد عن علاقتها بعمر ما رواه مالك في الموطأ بإسناد صحيح عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة أن عمر بن الخطاب فقد سليمان بن أبي حثمة في صلاة الصبح، وأن عمر غدا إلى السوق، وكان مسكن سليمان بين السوق والمسجد النبوي، فمرّ على الشفاء أم سليمان فقال لها: لم أرَ سليمان في الصبح! فقالت: إنه بات يصلي فغلبته عيناه. فقال عمر: لأن أشهد صلاة الصبح في جماعة أحب إليّ من أن أقوم ليلة. وفي هذا الأثر أن الجماعة في الفجر أفضل عند عمر من قيام ليلة كاملة إذا فاتت الجماعة لأجل النوم، وأن أم سليمان كانت تعرف حال ابنها وتدافع عنه بصدق.

— الدار والمنزلة — وذكر ابن سعد أن النبي ﷺ كان يقيل في بيتها ويرتاح، وأن لها فراشًا وإزارًا خاصًّا له بقي عند أهلها بعده، وهذا الخبر في الطبقات وإسناده لا يخلو من ضعف. وذكر أن النبي ﷺ أقطعها دارًا في المدينة، وفي ذلك دلالة على مكانتها. ولا يُجزم بهذه التفاصيل.

تعليم النساء في عهد النبوة

حديث الشفاء ليس وحده في بيان عناية النبي ﷺ بتعليم النساء. فقد روى البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النساء قلن للنبي ﷺ: غلبنا عليك الرجال، فاجعل لنا يومًا من نفسك، فوعدهن يومًا لقيهن فيه فوعظهن وأمرهن. وروى مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: نعم النساء نساء الأنصار، لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين. وقد أنزل الله أول ما أنزل: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾ إلى قوله ﴿الذي علّم بالقلم﴾، وأقسم في سورة القلم بقوله ﴿ن والقلم وما يسطرون﴾. وذكر غير واحد من المفسرين أن في هذه الآيات تنويهًا بالكتابة وأثرها في حفظ العلم. فإذا علمنا أن الشفاء كانت تعلّم حفصة الكتابة، وأن حفصة ستكون بعد ذلك حافظة صحف القرآن الكريم، ظهر لنا أن تلك الدروس لم تكن عملًا هامشيًّا.

حفصة والصحف

روى البخاري في فضائل القرآن أن أبا بكر رضي الله عنه لما جمع القرآن في صحف بإشارة عمر بعد اليمامة، كانت الصحف عنده حتى توفاه الله، ثم عند عمر حتى توفاه الله، ثم عند حفصة بنت عمر رضي الله عنهم. وأن عثمان رضي الله عنه أرسل إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك، فأرسلت بها إلى عثمان، فنسخوها ثم ردّها عثمان إلى حفصة. وهذا أثر عظيم في أن بيتًا من بيوت الصحابة تعلمت فيه المرأة الكتابة صار بعد ذلك أمينًا على أصل مكتوب هو صحف القرآن.

المهاجرات والامتحان

وقد أنزل الله حكمًا خاصًّا بالمهاجرات من أهل مكة بعد صلح الحديبية فقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هنّ حلّ لهم ولا هم يحلّون لهن﴾. وهذه الآية ليست في الشفاء بعينها، فالشفاء من المهاجرات الأول قبل ذلك، لكنها تبيّن مكانة المرأة المهاجرة في الإسلام وتقدير إيمانها واستقلال قرارها الديني. وروى البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ كان يمتحنهن بقوله تعالى ﴿يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك﴾ إلى آخر الآية، وقالت: والله ما مسّت يد رسول الله ﷺ يد امرأة قط في المبايعة، ما يبايعهن إلا بقوله: «قد بايعتك على ذلك». فجمع الله للنساء بين حق الاختيار الديني وحق البيعة والتكليف.

— وفاتها — توفيت الشفاء رضي الله عنها في المدينة، في حدود العشرين للهجرة أو بعدها، ولم يُحفظ تاريخ وفاتها بدقة. وبقي ذكرها في كتب الصحابة بما ثبت: أنها علمت الكتابة، وأنها عرفت الرقية المباحة، وأنها نالت ثقة أمير المؤمنين عمر.

العبرة

تعليم النساء الكتابة والعلم مشروع بإقرار النبي ﷺ، والرقية المباحة ما خلت من الشرك، وبيت يُربى فيه الأبناء على صلاة الفجر يرفعه الله.

المصدر: سنن أبي داود: الطب؛ صحيح مسلم: السلام (الرقى)؛ صحيح البخاري: التفسير (الممتحنة)؛ موطأ مالك: الصلاة؛ الاستيعاب لابن عبد البر؛ الإصابة لابن حجر؛ الطبقات لابن سعد؛ سورة الممتحنة (12)؛ صحيح البخاري: العلم وفضائل القرآن؛ صحيح مسلم: الحيض (نساء الأنصار)؛ سور الممتحنة (10) والعلق والقلم

الدرجة: حديث رقية النملة صحيح في سنن أبي داود؛ وأثر عمر في الموطأ بإسناد صحيح؛ وثناء ابن عبد البر ثابت عند أهل التراجم؛ وما في الطبقات من القيلولة والإقطاع في إسناده ضعف. وأحاديث تعليم النساء وجمع الصحف وبيعة النساء في الصحيحين.