من هي أسماء؟
هي أسماء بنت عميس بن معد الخثعمية رضي الله عنها، من الصحابيات السابقات إلى الإسلام. وهي أخت ميمونة أم المؤمنين لأمها، وأخت أم الفضل لبابة أم عبد الله بن عباس، وأخت سلمى زوجة حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنهم. وقد روى الحاكم وغيره حديثًا مرسلًا أن النبي ﷺ قال: «الأخوات مؤمنات: ميمونة وأم الفضل وسلمى وأسماء»، وصحح بعض أهل العلم معناه بشواهده. وتزوجت أولًا جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، فأسلمت معه وهاجرت معه إلى أرض الحبشة.
في أرض الحبشة
حين اشتد أذى قريش على المسلمين أذن النبي ﷺ لبعضهم بالهجرة إلى أرض الحبشة، وقال: «إن بها ملكًا لا يُظلم عنده أحد». فهاجر جعفر وأسماء ومن معهما، وولدت أسماء هناك عبد الله ومحمدًا وعونًا. وفي سيرة ابن إسحاق وفي مسند أحمد من حديث أم سلمة رضي الله عنها خبر مشهور عن خطبة جعفر بين يدي النجاشي، حين سألهم عن دينهم، فقال جعفر: كنا قومًا أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء الجوار، يأكل القويّ منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولًا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه. ثم تلا عليه صدرًا من سورة مريم، فبكى النجاشي حتى اخضلّت لحيته. والحديث إسناده حسن عند كثير من أهل العلم. وكانت أسماء في هذا الجمع من أهل السفينة الذين عاشوا ذلك الكرب وتلك الغربة.
الهجرتان
وبعد سنوات عادت أسماء مع زوجها إلى المدينة وقد افتتح النبي ﷺ خيبر. وفي صحيح البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن أسماء بنت عميس دخلت على حفصة زوج النبي ﷺ وقد كانت هاجرت إلى النجاشي فيمن هاجر، فدخل عمر على حفصة وأسماء عندها، فقال عمر حين رأى أسماء: من هذه؟ قالت: أسماء بنت عميس. قال عمر: الحبشية هذه؟ البحرية هذه؟ قالت أسماء: نعم. قال: سبقناكم بالهجرة، فنحن أحق برسول الله ﷺ منكم. فغضبت وقالت: كلا والله، كنتم مع رسول الله ﷺ يطعم جائعكم ويعظ جاهلكم، وكنا في دار البعداء البغضاء بالحبشة، وذلك في الله وفي رسوله ﷺ، وايم الله لا أطعم طعامًا ولا أشرب شرابًا حتى أذكر ما قلت لرسول الله ﷺ، ونحن كنا نؤذى ونخاف، وسأذكر ذلك للنبي ﷺ وأسأله، والله لا أكذب ولا أزيغ ولا أزيد عليه. فلما جاء النبي ﷺ قالت: يا نبي الله إن عمر قال كذا وكذا. قال: «فما قلتِ له؟» قالت: قلت له كذا وكذا. قال: «ليس بأحق بي منكم، وله ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان». قالت أسماء: فلقد رأيت أبا موسى وأصحاب السفينة يأتونني أرسالًا يسألونني عن هذا الحديث، ما من الدنيا شيء هم به أفرح ولا أعظم في أنفسهم مما قال لهم النبي ﷺ. فهذه شهادة نبوية لأهل الحبشة بفضل الهجرتين، ولأسماء بفضل الثبات.
فقد جعفر
استشهد جعفر رضي الله عنه في مؤتة سنة ثمان للهجرة. وروى الإمام أحمد من حديث أسماء رضي الله عنها أنها قالت: لما أصيب جعفر وأصحابه دخل عليّ النبي ﷺ وقد دبغتُ أربعين مَنًّا وعجنتُ عجيني وغسلت بنيّ ودهنتُهم ونظّفتهم، فقال: «ائتيني ببني جعفر»، فأتيته بهم فشمّهم وذرفت عيناه، فقلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي، أبلغك عن جعفر وأصحابه شيء؟ قال: «نعم، أصيبوا هذا اليوم». فقمتُ أصيح واجتمع إلي النساء، فخرج رسول الله ﷺ إلى أهله فقال: «لا تغفلوا آل جعفر من أن تصنعوا لهم طعامًا، فإنهم قد شُغلوا بأمر صاحبهم». وفي الحديث الصحيح عن عبد الله بن جعفر عند الترمذي وأبي داود وابن ماجه أن النبي ﷺ قال: «اصنعوا لآل جعفر طعامًا فقد جاءهم ما يشغلهم»، وحسّنه الترمذي. وأصل الحكم أن يُصنع الطعام لأهل الميت لانشغالهم بمصابهم، لا أن يصنع أهل الميت الطعام للناس. وقد ذكر ابن قدامة وغيره من الفقهاء أن هذا من السنة.
العين والرقية
وروى مسلم والترمذي وابن ماجه عن أسماء بنت عميس أنها قالت: يا رسول الله إن بني جعفر تسرع إليهم العين، أفأسترقي لهم؟ قال: «نعم، فلو كان شيء يسبق القدر لسبقته العين». وفي رواية الترمذي أن النبي ﷺ قال لها: «ما لي أرى أجسام بني أخي ضارعة؟ أتصيبهم حاجة؟» قالت: لا، ولكن العين تسرع إليهم. قال: «ارقيهم». وفي الحديث ثبوت العين وأنها حق، وأن الرقية المباحة مشروعة، وأن القدر سابق لكل شيء.
مع أبي بكر الصديق
بعد استشهاد جعفر تزوجها أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وولدت له محمد بن أبي بكر. وفي صحيح مسلم من حديث جابر في حجة النبي ﷺ أنهم لما أتوا ذا الحليفة ولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ: كيف أصنع؟ قال: «اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي». فصار الحديث أصلًا في أن النفساء تغتسل وتحرم ولا يمنعها النفاس من الإحرام. ولما حضرت أبا بكر الوفاة أوصى أن تغسّله زوجته أسماء، كما ذكر ابن سعد وغيره، وروى مالك في الموطأ عن عبد الله بن أبي بكر أنها غسّلته، وسألت المهاجرين: إني صائمة وهذا يوم شديد البرد، فهل علي من غسل؟ قالوا: لا. وفي رواية مالك إرسال، والأثر مشهور في كتب الفقه والسير.
ثم علي
وتزوجها علي بن أبي طالب رضي الله عنه بعد أبي بكر، فولدت له يحيى وعونًا على ما ذكره ابن سعد. وذكر الدارقطني وغيره أنها شاركت في تمريض فاطمة رضي الله عنها وغسلها مع علي، وفي سنده مقال. وكانت تحفظ الأحاديث وتروي عن النبي ﷺ، فروى عنها عمر وابن عباس وعبد الله بن شداد وغيرهم من الصحابة والتابعين، ورُوي لها نحو ستين حديثًا على ما ذكره بعض أهل التراجم. وذكر ابن سعد أن عمر رضي الله عنه كان يسألها عن تعبير الرؤيا لأنها كانت تعبّر عن علم. وفي إسناده مقال أيضًا.
وفاتها
اختُلف في وفاتها، فقيل: ماتت بعد علي رضي الله عنه، وقيل: ماتت في خلافته. وذكر الطبري وابن سعد أنها حزنت حزنًا شديدًا حين قُتل ابنها محمد بن أبي بكر بمصر، ورُوي أنها كظمت حزنها حتى ثرّ لبنها، ولا يثبت ذلك بإسناد صحيح، فنكتفي بأن مصيبتها بزوجين وابنين لم تُخرجها عن الصبر والعلم. وقد جمعت أسماء بين الهجرة والفقه والرقية والصبر عند فقد الأحبة، فهي من نساء ثلاثة بيوت: بيت جعفر وبيت أبي بكر وبيت علي رضي الله عنهم أجمعين.
