من هي أم رومان؟
هي أم رومان بنت عامر بن عويمر الكنانية، واسمها زينب أو دعد على اختلاف الروايات التي ذكرها ابن حجر في الإصابة، وهي زوجة أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأم عائشة أم المؤمنين وأم عبد الرحمن بن أبي بكر. كانت قبل أبي بكر زوجة عبد الله بن الحارث الأزدي، وولدت له الطفيل، ثم تزوجها أبو بكر بعد وفاته في الجاهلية فولدت له عبد الرحمن وعائشة. وقد أسلمت قديمًا وهاجرت إلى المدينة، وهي ممن بايعن النبي ﷺ، كما ذكر ابن سعد وابن حجر.
بيت يدين الدين
وصفت ابنتها عائشة رضي الله عنها بيت أبيها في صحيح البخاري فقالت: لم أعقل أبويّ قط إلا وهما يدينان الدين، ولم يمرّ علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله ﷺ طرفي النهار بكرة وعشيّة. وفي هذا الكلام شهادة لأم رومان وأبي بكر بأنهما كانا على الإسلام منذ وعت عائشة، وأن بيتهما كان بيتًا تتردد عليه النبوة وتُقام فيه العبادة وهو الحديث نفسه الذي جاء فيه خروج أبي بكر مهاجرًا إلى الحبشة ثم عودته في جوار ابن الدغنة.
في أيام الهجرة
وفي الهجرة النبوية استأذن أبو بكر النبي ﷺ في الهجرة فقال له: «لا تعجل لعل الله يجعل لك صاحبًا». ثم جاء النبي ﷺ إلى بيته ظهرًا في ساعة لم يكن يأتي فيها، فقال أبو بكر: فداك أبي وأمي، ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر. وفي حديث عائشة الطويل في البخاري: فجهّزناهما أحثّ الجهاز، وصنعنا لهما سُفرة في جراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب. ولا يُنسب في الحديث عمل بعينه إلى أم رومان، لكنها كانت في البيت الذي جُهّزت فيه الهجرة المباركة. ثم بقيت أم رومان وعائشة في مكة حتى لحقتا بالمدينة بعد استقرار النبي ﷺ فيها، فقد ذكر ابن إسحاق أن عبد الله بن أبي بكر خرج بعيال أبي بكر ومعهم أم رومان وعائشة.
ليلة العرس
وفي صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها في قصة بنائها بالنبي ﷺ في المدينة قالت: فأتتني أمي أم رومان وإني لفي أرجوحة ومعي صواحب لي، فصرخت بي فأتيتها وما أدري ما تريد بي، فأخذت بيدي حتى أوقفتني على باب الدار وإني لأُنهِج حتى سكن بعض نفَسي، ثم أخذت شيئًا من ماء فمسحت به وجهي ورأسي، ثم أدخلتني الدار، فإذا نسوة من الأنصار في البيت فقلن: على الخير والبركة وعلى خير طائر، فأسلمتني إليهن فأصلحن من شأني، فلم يرعني إلا رسول الله ﷺ ضحى فأسلمتني إليه. فصور هذا الحديث رعاية الأم لابنتها في أهم لحظات عمرها، وحرصها على إعدادها بنفسها مع نساء الأنصار.
قصة الإفك
وأوضح موضع لأم رومان في الأخبار الصحيحة قصة الإفك في صحيح البخاري ومسلم. فلما رجعت عائشة رضي الله عنها من غزوة بني المصطلق، وتخلفت عن الجيش وجاءها صفوان بن المعطل السلمي، قال أهل الإفك ما قالوا. ومرضت عائشة شهرًا لا تعلم، فلما خرجت مع أم مسطح عرفت الخبر، فازدادت مرضًا، فاستأذنت النبي ﷺ أن تأتي أبويها. قالت: فجئت أبوي، فقلت لأمي: يا أمتاه، ما يتحدث الناس؟ قالت: يا بنية، هوّني عليك، فوالله لقلّما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها لها ضرائر إلا كثّرن عليها. قلت: سبحان الله، أوقد تحدث الناس بهذا؟ قالت: فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم.
ثم دخل النبي ﷺ فسألها وتشهد وقال: «يا عائشة، فإنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنتِ بريئة فسيبرئك الله، وإن كنتِ ألممتِ بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه». وفي الحديث أنها طلبت من أبيها ثم من أمها أن يجيبا النبي ﷺ عنها، فقال كل منهما: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ. ثم قالت: فاستعبرتُ فبكيتُ، ثم قلت: لا والله لا أتوب إلى الله مما ذكرتَ أبدًا، والله إني لأعلم لئن أقررتُ بما يقول الناس والله يعلم أني منه بريئة لأقولنّ ما لم يكن. فنزل الوحي بتبرئتها في قوله تعالى: ﴿إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرًّا لكم بل هو خير لكم﴾ إلى آخر العشر آيات في سورة النور. فقالت لها أمها: قومي إليه. فقالت: لا والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله هو الذي أنزل براءتي. وقد ذكر ابن كثير في تفسير الآيات أنها نزلت في شأن عائشة رضي الله عنها، وأنها من أعظم ما أنزل الله في براءة أمهات المؤمنين.
حضن الأم في المحنة
قد يظن القارئ أن دور أم رومان في الحديث محدود لأنها تتكلم في أسطر قليلة. لكن مضمون ما قالته أنها هونت على ابنتها ما يتحدث به الناس، وأنها بقيت معها في بيتها حتى أنزل الله البراءة، وأنها أمرتها بالقيام إلى النبي ﷺ حين جاءت البشرى. وهذه الأمور الصغيرة هي ما يصنع حضن الأم في المحنة: لا فتوى ولا خطبة، بل تهوين وكلمة ومصاحبة. ولا نزيد على ما ورد في الحديث وصفًا لحالها.
وفاتها
اختلف المؤرخون في زمن وفاة أم رومان. فالمشهور عند أهل التراجم أنها توفيت في حياة النبي ﷺ، وذكر بعضهم سنة ست للهجرة وبعضهم سنة أخرى. وفي صحيح البخاري ما يدل على أنها كانت حية وقت قصة الإفك، وقد أشار ابن حجر إلى الخلاف في ذلك، فلا يُجزم بسنة بعينها. وروي أن النبي ﷺ نزل في قبرها واستغفر لها وقال: «اللهم إنه لم يخفَ عليك ما لقيت أم رومان فيك وفي رسولك». وروي أنه قال: «من سره أن ينظر إلى امرأة من الحور العين فلينظر إلى أم رومان». وكلا الروايتين لا يثبتان بإسناد صحيح، وقد بيّن ذلك أهل العلم، فلا نعتمدهما.
خلاصة
أم رومان رضي الله عنها لم تكن صاحبة وقائع ميدانية ولا فتاوى، لكنها كانت أمًّا لبيت من أعظم بيوت الإسلام: أم أم المؤمنين عائشة وأم عبد الرحمن. وتفاصيل حياتها قليلة، والثابت منها يكفي لبيان فضلها: بيت يدين الدين، وجهاز للهجرة، وإعداد لعرس النبوة، ووقوف مع ابنتها في أشد محنة.
