الوضوء من الصور المألوفة في عالم الأحلام، وتتعدد معانيه الرمزية بتعدد أحوال الرائين وسياقاتهم. وفي هذا المقام جمع عام لأبرز ما يُقرأ في هذا الرمز، وهو اجتهاد في فهم الرموز، وليس إخبارًا بأمر ولا بيانًا لعبادة، ولا تدل الصورة على أن الرائي فعل شيئًا في الحقيقة. والرؤيا تُفهم بحسب شعور صاحبها وما يحيط بها، ولا يُقطع فيها بمعنى واحد لكل أحد. وللرائي أن يأخذ مما يأتي ما يلائم حاله ويدع ما سواه.
المعنى الأول الذي يدور حوله الوضوء هو الصفاء والنقاء، فالماء يغسل الغبار، والصورة تحمل إحساسًا بالتجدد. والمعنى الثاني هو التهيؤ والاستعداد، فالوضوء في الوعي العام يسبق أمرًا مهمًا ويدل على حسن الإعداد. والمعنى الثالث هو الهدوء والسكينة، فحركات الوضوء المرتبة تمنح صورة النظام والانتظام. والمعنى الرابع هو الانتعاش وبداية صفحة جديدة، فالماء يوحي بالحياة. وهذه المعاني تتجاور وتتداخل، ولا يُحصر الرمز في واحد منها.
ومما يحسن ذكره في باب الطهارة عمومًا قول الله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (سورة البقرة، الآية 222). وفي الآية ما يذكّر بمكانة الطهارة والرجوع إلى الله في الوعي الإسلامي. ويُذكر النص هنا للتأمل في قيمة الصفاء، ولا يُنزَّل على الحلم كأنه تفسيره، ولا يُجعل دليلًا على حال الرائي أو على أمر في حياته. فالربط عام وهادئ، والمقصود منه الإحساس بجمال النقاء.
ذكر بعض المعبّرين في بعض ما يُروى في كتب التعبير أن الماء الصافي في المنام يُحمل على الخير والراحة، وأن كدره أو اضطرابه يغيّر وجه التأويل، ولا يُجزم بثبوت كل ما يُذكر في هذا الباب. وذهب آخرون من المعبّرين في بعض ما نُقل عنهم إلى أن الطهارة في الرؤيا تُقرأ استعدادًا وتهيؤًا لمرحلة بحسب الأحوال. وتتعدد الأقوال وتختلف بحسب الزمان والبيئة، فلا تُجعل قاعدة تُطبق على كل رائٍ. ويكفي الرائي أن يأخذ منها ما يطمئنه.
وللسياق أثر كبير في هذه المعاني. فإن كان الرائي في أيام ازدحام فقد يميل المعنى إلى الحاجة إلى الصفاء، وإن كان في مرحلة انتقال فقد يميل إلى التهيؤ، وإن كان في ضيق فقد يميل إلى طلب السكينة، وإن كان في حال مريحة فقد يكون صدى لما يحبه. وليس في شيء من هذا ربط بحدث قادم، وإنما هي قراءة لما قد تحمله النفس في يومها. وشعور الرائي عند استيقاظه أصدق دليل على القراءة الأقرب.
وتتنوع القراءة بحسب الرائي. فالمرأة والرجل والشاب وكبير السن والطالب والعامل قد يلتقون جميعًا عند معاني الصفاء، لكن كل واحد منهم يلوّنها بما يشغله، فهذا يراها استراحة، وهذا يراها استعدادًا، وهذا يراها شوقًا إلى هدوء. وليس في الرمز تفضيل لأحد على أحد، فالمعاني الجميلة تتسع للجميع. ولا يُراد من هذا الجمع أن يُلزَم كل من رأى هذه الصورة بمعانٍ محددة سلفًا، فالمعاني تتبع حال صاحبها.
وتفاصيل الحلم تضيف إلى المعنى لونًا. فالماء الصافي الهادئ يُقرأ سكينة، والماء الجاري المنتعش يُقرأ تجددًا، والمكان الواسع يُقرأ سعة، والوقت الصباحي يُقرأ بداية، والمساء يُقرأ ختامًا، والجو الدافئ يُقرأ ألفة، والجو البارد يُقرأ يقظة. وحضور شخص مألوف يُقرأ حاجة إلى الصحبة، وغيابه يُقرأ رغبة في خلوة. ولا تُجعل هذه التفاصيل قواعد، فهي إضاءات خفيفة على صورة واحدة متكاملة.
ومن الناحية العملية والنفسية، قد ينفع الرائي أن يمنح نفسه أوقات هدوء في يومه، وأن يعتني بنومه وراحته، وأن يتحدث مع من يثق بهم عما يشغله. وهذا تأمل عام وليس نصيحة طبية أو نفسية. وإذا كان القلق أو الوسوسة المستمرة في الطهارة تثقل عليه في الواقع فإن ذلك يستحق أن يُعرض على مختص نفسي أو على أحد الأهل الموثوقين، فهذا من حسن العناية بالنفس.
ومن اللطيف أن يتذكر الرائي أن الأحلام صور تتشكل من الذاكرة والمزاج، وأن بعضها يحمل معنى وبعضها لا يحمل شيئًا. وقد يكون في صورة الوضوء ما يذكّر بجمال البدايات الهادئة وبقيمة الرفق بالنفس. وهذا فهم نفسي عام وليس قطعًا بشيء. وإذا بقي الأثر لطيفًا فليأنس به الرائي، وإذا زال سريعًا فهو أمر طبيعي لا يحتاج إلى متابعة، فالمنامات الهادئة تمر كما تمر النسمة.
وبعد ذلك كله فهذا اجتهاد بشري ظني يحتمل الصواب والخطأ، ولا يقطع بحال الرائي ولا بما تأتي به الأيام. والأولى أن يحسن الظن بالله وأن يدعوه بالسكينة وصفاء القلب. ويترك الغيب لعلّام الغيوب. والغيب لا يعلمه إلا الله.
