الرؤيا صور رمزية تتشكل من الذكريات والمشاعر والخواطر، وهي في مراحل العمر المتقدمة تحمل غالبًا دفء الماضي وهدوء الحاضر. وحين يرى كبير السن نفسه يتوضأ في المنام فإن الصورة تستحق قراءة رفيقة تقدّر ما مرّ به من أيام وتجارب. والقراءة الآتية اجتهاد في فهم الرمز، وليست إخبارًا بشيء قادم ولا قطعًا بأمر في حياته. ومن استقبل الحلم بهذا الأسلوب وجد فيه أنسًا دون أن يثقله بتساؤلات.
الوضوء رمز الطهارة والصفاء والتجدد والتهيؤ، وهو ماء صافٍ يمرّ على الوجه واليدين فينعشهما ويهيئ النفس للسكون. وفي الرموز يرتبط الماء بالحياة والارتواء، فإذا اجتمع مع الطهارة جاء معنى الصفاء والانتعاش والاستعداد الهادئ. وهو في منام من طالت به الأيام قد يشبه الاستراحة الجميلة بعد طريق طويل، تُسلّم فيها النفس لهدوء مطمئن. وهذه معانٍ عامة تُستأنس بها ولا يُقصد بها الجزم.
وفي الجملة تبقى دلالة هذه الصورة لكبير السن دلالة رمزية عامة تعبّر عن رغبة في السكينة والصفاء. وهذه كلها قراءات عامة تتسع لأكثر من وجه، ولا تقوم دليلا على أمر بعينه. فالأحلام في الغالب تتأثر بما يمر بالإنسان في يقظته من مشاعر وخواطر وصور. ولذلك يحسن أن يُنظر إلى المشهد نظرة هادئة بعيدة عن الجزم والتهويل. ويبقى الأهم في الحياة العمل الصالح وحسن الظن بالله والاعتدال في كل شأن. فلا يُبنى على الصورة قرار ولا يُرتّب عليها خوف أو توقع.
ذكر بعض المعبّرين في بعض ما يُروى في كتب التعبير أن الماء الصافي يُحمل على الخير والراحة، وأن حال الماء تؤثر في المعنى، ولا يُجزم بثبوت كل ما يُذكر في هذا الباب. وذهب آخرون من المعبّرين في بعض ما نُقل عنهم إلى أن الطهارة في الرؤيا تُقرأ استعدادًا وتهيؤًا، مع اعتبار سائر التفاصيل. وتتباين الأقوال، فلا تُجعل قاعدة تُطبَّق على الجميع، وإنما يُنظر إلى كل رائٍ بحاله وسنوات خبرته وما يحيط به. وهذا النظر المتأني أقرب إلى نهج التأويل الحذر.
لسياق الحلم أثر في قراءته. فإن جرى الوضوء في بيت قديم مألوف فقد يعبّر عن حنين إلى الألفة والذكريات الدافئة، وإن جرى في مكان واسع هادئ فقد يوحي بسعة الصدر وسكينة النفس. وإن كان الماء رائقًا فهو أقرب إلى رمز الارتياح، وإن شحّ أو تأخر فقد يُقرأ حاجة إلى التمهل والرفق. وإذا حضر في المشهد أولاد أو أحفاد أو أصدقاء فقد يعكس ذلك حب الأنس والسند، دون أن يكون في ذلك خبر عنهم، فالأنس بالأحبة معنى مألوف في القلوب.
كبير السن يحمل في قلبه رصيدًا من التجارب والمواقف والذكريات، وقد يميل إلى الهدوء وترتيب الداخل وإعادة النظر فيما مضى بنظرة أرحم وأوسع. وحين يظهر الوضوء في منامه فقد يكون ذلك امتدادًا لعادة الصفاء والهدوء التي يألفها، أو شوقًا إلى طمأنينة افتقدها في ضجيج الأيام، أو ارتياحًا لما هو عليه. ولا يُفهم منه شيء يتصل بأجل أو مرض أو أمر مرتقب، فالصور لا تقول ذلك ولا يملكه التأويل.
وللتفاصيل أثرها. الماء الصافي الهادئ يوحي بسكينة داخلية، والشعور بالراحة بعد الوضوء يُقرأ طمأنينة وارتياحًا، وبرودة الماء أو دفؤه قد ترتبط بما يحتاجه الرائي من انتعاش أو دفء نفسي. والشعور بالتعب أثناءه قد يُقرأ حاجة إلى التخفيف من الأعباء والاستعانة بالأهل والأولاد. وكل ذلك قراءة رمزية مفتوحة، تتغير بتغير شعور الرائي وحاله ولا تُقلب إلى خبر.
من الجانب العملي والنفسي، قد ينفع الرائي أن يحافظ على روتين هادئ يمنحه الأنس، وأن يجالس من يحب، وأن يتحدث عما يشغله، وأن يعتني بما يريحه من حركة خفيفة وصحبة طيبة وذكر الله. وهذا الكلام تأمل عام وليس نصيحة طبية أو نفسية، ولا يغني عن متابعة أهل الاختصاص. وإذا ضاق صدره أو طال به القلق أو الأرق فمن الحسن أن يتحدث مع مختص أو مع أحد أهله، فالمؤانسة من أكبر ما يخفف عن الإنسان.
وقد ورد في الحديث الصحيح بمعناه أن الرؤيا من الله والحلم من الشيطان (متفق عليه)، فلا يُجعل المنام سببًا لخوف ولا ميزانًا لتوقع. ويكفي أن يأخذ الرائي من الصورة اللطيفة معنى الصفاء والهدوء، ثم يمضي في يومه بطمأنينة. وللأيام الهادئة قيمتها، وتبقى النفس الصافية أجمل ما يرافق صاحبه في كل مرحلة من العمر.
وبعد ذلك كله فهذا اجتهاد بشري ظني يحتمل الصواب والخطأ، ولا يقطع بحال الرائي ولا بما ستأتي به أيامه. والأولى أن يحسن الظن بالله ويدعوه بالسكينة والعافية وصلاح الأحوال، ويترك الغيب لعلّام الغيوب. فالغيب لا يعلمه إلا الله.
