إذا رأى النائم أنه يجهّز الماء للوضوء، كأن يملأ إناءً أو يسخّنه أو يضعه في موضعه، فهذه صورة تسبق الفعل نفسه وتقوم على الإعداد. والأحلام التي تدور حول التجهيز كثيرًا ما تعكس شعور الرائي بالاستعداد أو بالحاجة إلى ترتيب أموره. وقد تكون انعكاسًا لعادة يومية بسيطة. والرؤيا في أصلها صور تحتمل أكثر من وجه، والتفسير فيها اجتهاد لا قطع فيه.
يرمز الوضوء في المنام إلى الطهارة والصفاء والتجدد والتهيؤ، ويضيف تجهيز الماء معنى الاستعداد المسبق والترتيب. فقد يعبّر الحلم عن نفس تريد أن تهيئ أسباب راحتها قبل أن تحتاج إليها. وقد يشير إلى حرص الرائي على أن يكون أمره منظمًا وجاهزًا. وقد يعبّر كذلك عن رغبة في رعاية من حوله بالتهيئة. وتتغير الدلالات بحسب حال الرائي وما يشغله. وقد يكون التجهيز في الحلم تكرارًا لما يفعله الرائي في يقظته، فلا يحمل معنى زائدًا على المألوف.
وللماء في القرآن الكريم ذكر كثير، لكن المعنى هنا يُستأنس فيه بقول الله تعالى: ﴿وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُطَّهِّرِينَ﴾ (سورة التوبة، الآية 108). وهذه الآية تذكّر بمحبة الله للتطهر، وهي إشارة عامة لا تفسير فيها لحلم بذاته. ولا تُنزَّل على الرائي ولا على أحد ممن ظهروا في المنام. وإنما يؤخذ منها قدر من تذكر قيمة الصفاء في حياة الإنسان، من غير تحميل للرؤيا. فالقصد التذكر الهادئ لا الاستدلال.
ذكر بعض المعبّرين في كتب التعبير المتداولة أن الماء إذا كان صافيًا وكافيًا في الرؤيا دل في الغالب على اتساع الحال وراحته، وأن عناء استخراجه قد يُحمل على تعب في تحصيل الأمور. وذهب آخرون من المعبّرين في بعض ما نُقل عنهم إلى معنى قريب من ذلك في باب الماء وحمله. غير أن هذه الأقوال تحتاج إلى تثبت وتتفاوت فيها الكتب، ولا يُجزم بها. ويُجعل المعول على حال الرائي وشعوره وعلى تفاصيل ما رآه.
للسياق أثر، فإذا كان التجهيز في الحلم سهلًا والماء متوافرًا، مال المعنى إلى الاستعداد والاطمئنان. وإذا كان الماء ثقيلًا أو كان الوعاء متسخًا أو متشققًا، فقد يشير إلى جهد في ترتيب الأمور أو إلى انشغال بتفاصيل. وإذا جهّز الرائي الماء لغيره، فقد يُحمل المعنى على الرعاية. ويُنظر إلى شعور الرائي حين استيقظ، أكان نشاطًا أم ثقلًا أم ارتياحًا. وقد يتغير المعنى إن سبق الحلم يوم ازدحام أو سفر، فيكون الحلم حينئذ صدى للتعب أو للتأهب.
ويختلف التعبير بحسب الرائي، فمن كان يرتب بيته أو عمله قد يرى فيه امتدادًا طبيعيًا لانشغاله. ومن كان على أبواب مرحلة جديدة قد يراه صورة لاستعداده النفسي. وربة البيت قد ترى فيه انعكاسًا لمهامها اليومية. والمسافر قد يراه صورة لتهيئة الأمور قبل رحيل. وكل ذلك احتمال قريب لا يلزم أحدًا بشيء. ولا يُفترض أن يكون من ظهر معه في المشهد صاحب دور محدد في حياة الرائي.
وللتفاصيل دلالتها، فصافي الماء ودفؤه قد يوحيان بالراحة، وبرودته قد توحي بالانتباه. ونوع الوعاء، أكان كبيرًا أم صغيرًا، قد يشير إلى قدر الاستعداد الذي يشعر به الرائي. وإذا كان المكان نظيفًا مرتبًا فالمشهد يميل إلى النظام، وإذا كان فوضويًا فقد يعكس شعورًا بتشتت. ولا يُبنى على تفصيلة واحدة تفسير كامل، فالأحلام متداخلة المشاهد. وقد يكون سهولة الحصول على الماء أو صعوبته أدل على الحال النفسية من نوع الوعاء ذاته.
ومن الناحية العملية والنفسية، قد يكون الحلم تذكيرًا لطيفًا بقيمة الترتيب المسبق لأمور اليوم بما يخفف الاستعجال. وقد يكون تعبيرًا عن رغبة في الشعور بالجاهزية. وهذا تأمل عام وليس نصيحة نفسية أو طبية. وإذا كان القلق على الاستعداد لأمر ما مستمرًا في الواقع ويؤثر في الرائي، فمن الطيب الحديث مع مختص أو مع أحد الأهل.
ومن الاتزان في الرؤى أن يتذكر المرء أن كثيرًا منها يتألف من بقايا النهار وما شغل الذهن. وقد ورد في الحديث الصحيح بمعناه أن الرؤيا من الله والحلم من الشيطان (متفق عليه)، وفي ذلك دعوة إلى عدم الإفراط في التتبع. وهذا المشهد هادئ المعنى، لا يدعو إلى انزعاج. ويكفي أن يأخذ الرائي منه معنى الاستعداد الهادئ ويمضي. وإذا تكرر المشهد فهو في الغالب صدى لعادة مألوفة لا أكثر من ذلك.
وتبقى هذه القراءة اجتهادًا بشريًا ظنيًا، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يعلم الغيب إلا الله وحده. وليحسن الرائي ظنه بربه، وليدعُ الله أن ييسر له أموره وأن يصلح نيته. وما رآه في المنام لا يُبنى عليه شيء في اليقظة. والله أعلم بالصواب.
