إذا رأى النائم أنه يتوضأ ثم يرفع يديه بالدعاء، فيجمع في مشهد واحد بين الاستعداد والتضرع، فهذه صورة تتصل بتوجه القلب وما يحمله من رجاء وحاجة. والأحلام التي فيها دعاء كثيرًا ما تعكس ما يشغل الرائي من أمور يتمنى لها الخير. وقد يكون المشهد صدى لعادة يألفها أو لشوق إلى وقت صفاء مع نفسه. والرؤيا في أصلها رمزية تحتمل أكثر من وجه، والتفسير فيها اجتهاد وظن لا قطع معه.
يرمز الوضوء في المنام إلى الصفاء والتهيؤ، ويضيف الدعاء معنى الرجاء والتوجه والبوح بما في النفس. فاجتماعهما في المشهد قد يعبّر عن نفس تريد أن تهدأ ثم تفضي بما يثقلها. وقد يكون صورة لحاجة إلى السكينة بعد شعور بالقلق. وقد يعكس رغبة في أن يكون للرائي ملجأ يلوذ به في يومه. وهذه قراءات قريبة تتغير بتغير حال الرائي، ولا يلزم منها شيء في اليقظة.
وفي القرآن الكريم ما يذكّر بأدب الدعاء وخفضه، قال الله تعالى: ﴿ٱدْعُوا۟ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ (سورة الأعراف، الآية 55). والآية ذكر عام لأدب التوجه إلى الله بالتضرع والخفاء، وليست تفسيرًا لهذا الحلم ولا حديثًا عن حال الرائي. ولا يُنزَّل معناها على مضمون دعاء محدد أو على نتيجة له، فالحلم صورة والآية كلام مستقل عنه. وإنما تُستحضر للتذكير بجمال الهدوء في التوجه.
ذكر بعض المعبّرين في كتب التعبير المتداولة أن رفع اليدين بالدعاء في الرؤيا يُفسَّر في الغالب بحسن الرجاء وحسن الظن بالله، وأن حال الداعي وسكينته يؤثران في التعبير. وذهب آخرون من المعبّرين في بعض ما نُقل عنهم إلى معنى قريب في ما يتصل بالدعاء وما يدل عليه من الأنس بالله. وهذه أقوال يحتاج الناظر فيها إلى تثبت، فكتب التعبير تختلف في العبارة والتفصيل. ولا يُجزم بشيء منها، ويبقى النظر في حال الرائي وشعوره أولى من النقل المجرد.
للسياق أثر، فإذا كان الدعاء هادئًا خاشعًا فالمشهد يميل إلى معنى السكينة. وإذا كان ملحًّا مضطربًا فقد يعكس شعورًا بثقل أمر في اليقظة. وإذا لم يعرف الرائي ما يدعو به فقد يشير إلى رغبة في التوجه دون تحديد. وإذا كان الدعاء لغيره فقد يعبّر عن محبة واهتمام بمن حوله. ويُنظر إلى شعور الرائي حين استيقظ، أكان طمأنينة أم رقة قلب أم حنينًا، فهو أصدق دليل على الاتجاه العام.
وتختلف الرؤيا بحسب الرائي، فمن كان في ضيق قد يراها صدى لحاجته إلى الطمأنينة. ومن كان ينتظر أمرًا قد يراها تعبيرًا عن ترقبه. والأم قد ترى فيها دعاءً لأولادها كما اعتادت. وكبير السن قد يراها امتدادًا لعادته في الذكر والدعاء. وكل ذلك احتمال قريب لا يلزم أحدًا بشيء. وقد يرى الرائي المشهد نفسه مرة أخرى بمعنى مختلف تمامًا، لأن حاله يتبدل بين يوم وآخر. ولا يُفهم منه أن دعوة محددة قد استُجيبت أو لم تُستجب. فالمعنى رمزي في الأصل.
وللتفاصيل دلالتها، فرفع اليدين بهدوء قد يشير إلى تسليم وسكون. وخفض الصوت قد يعبّر عن رغبة في خلوة مع النفس. والدموع الهادئة في الحلم قد تدل على رقة وصفاء، وهي كذلك أحيانًا أثر تعب. وإذا كان المكان هادئًا فالمعنى يميل إلى الأنس. ولا يُبنى على تفصيلة واحدة تفسير كامل، فالأحلام متداخلة وسريعة التبدل، وكثير منها يتبدد عند الاستيقاظ.
ومن الجهة العملية والنفسية، قد يكون الحلم تذكيرًا لطيفًا بحاجة النفس إلى وقت للهدوء والبوح. وقد يكون تعبيرًا عن رغبة في الحديث إلى من يثق به عندما يثقل الهم. وهذا تأمل عام وليس نصيحة طبية أو نفسية. وإذا كان القلق مستمرًا في الواقع ويؤثر على حياة الرائي، فمن الطيب أن يتحدث مع مختص أو مع أحد أهله. ويحسن ألا يتحول الحلم إلى مقياس يحاسب به الرائي نفسه. فالدعاء صلة بين العبد وربه لا تحتاج إلى مشهد في المنام، والحلم لا يزيد فيها ولا ينقص. ومن شاء أن يستفيد منه فليأخذ ما يرقق قلبه ويترك ما سوى ذلك.
وفي باب الرؤى ما ورد في الحديث الصحيح بمعناه أن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة (متفق عليه)، وأن من رأى ما يحب فلا يحدّث بها إلا من يحب. وفي ذلك دعوة إلى الاتزان وعدم الإكثار من تتبع المنامات. وهذا المشهد لطيف المعنى لا يدعو إلى قلق. والأنفع أن يأخذ الرائي منه معنى التوجه الهادئ ثم يمضي إلى يومه. فالرؤيا مجال للتأمل لا للجزم.
وتبقى هذه القراءة اجتهادًا بشريًا ظنيًا، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يعلم الغيب إلا الله وحده. وليحسن الرائي ظنه بربه، وليدعُ الله بما يشاء من الخير وأن يرزقه راحة البال. وما رآه في المنام لا يُبنى عليه شيء في اليقظة. والله أعلم بالصواب.
