إذا رأى النائم أنه يمسك منشفة بعد أن فرغ من الوضوء، فيجفف بها يديه ووجهه ويتناول قطعة نظيفة من القماش، فهذه صورة تأتي في ختام المشهد لا في أوله. والأحلام التي تدور حول الخواتيم كثيرًا ما تتصل بشعور المرء بالانتهاء من أمر أو بحاجته إلى الراحة بعده. وقد تكون هذه الصورة انعكاسًا لعادة يومية بسيطة تحولت إلى مشهد. والرؤيا في أصلها رمزية تحتمل أكثر من وجه، والتفسير فيها اجتهاد وظن لا قطع معه.
يرمز الوضوء في المنام إلى الصفاء والتهيؤ والتجدد، وتضيف المنشفة معنى التجفيف والاكتمال والراحة بعد البلل. فقد يعبّر الحلم عن نفس تشعر بأنها أنهت جهدًا وتبحث عن سكون. وقد يكون صورة لرغبة في الاعتناء بالنفس بعد انشغال طويل. وقد يعكس شعورًا بالترتيب والنظافة في تفاصيل الحياة الصغيرة. وهذه كلها قراءات قريبة تتبدل بتبدل حال الرائي، ولا يُجزم بواحدة منها.
وليس في القرآن الكريم ولا في السنن الصحيحة نص يخص المنشفة في المنام، ولذلك لا يُستشهد هنا بآية ولا بحديث لتفسير المشهد. ويكفي أن يُستحضر معنى عام هو أن العناية بالنظافة والهيئة خلق جميل في الإنسان. ويُترك هذا المعنى عامًا بلا إسقاط على الرائي ولا على أحد ممن ظهروا في المنام. وفي ترك التكلف في التوثيق احترام للنصوص وللرؤيا معًا.
ذكر بعض المعبّرين في كتب التعبير المتداولة أن الثوب النظيف في الرؤيا يدل في الجملة على حسن الحال وصفاء الشأن، وأن حاله من نظافة أو اتساخ يُنظر فيه عند التعبير. وذهب آخرون من المعبّرين في بعض ما نُقل عنهم إلى معنى قريب في ما يتصل بالنظافة والتجفيف بالقماش الطاهر. وهذه أقوال يحتاج المرء فيها إلى تثبت، فالنسخ تختلف والعبارات تتفاوت. ولا يُجزم بشيء منها، والأولى أن يجعل الرائي شعوره عند الاستيقاظ ميزانًا أول.
للسياق أثر، فإذا كانت المنشفة نظيفة ناعمة فالمشهد يميل إلى معنى الراحة والعناية. وإذا كانت مبللة أو مهترئة فقد يعبّر عن شعور بأن الوسائل المتاحة لا تكفي لإتمام الراحة. وإذا ناولها أحد للرائي فقد يشير ذلك إلى رعاية أو معاونة قريبة. وإذا بحث عنها فلم يجدها فقد يعكس انشغالًا بتفصيل صغير ناقص. ويُنظر إلى مشاعر الرائي حين استيقظ، فهي أدل على الاتجاه العام من التفاصيل.
وتختلف الرؤيا بحسب الرائي، فمن كان كثير الحرص على النظافة قد يراها امتدادًا لعادته. ومن كان قد أنهى عملًا طويلًا قد يراها صدى لحاجته إلى الاسترخاء. والأم قد ترى فيها صورة مألوفة من تجهيز أفراد الأسرة. والمسن قد يراها تعبيرًا عن حبه للترتيب والهدوء. وكل ذلك احتمال قريب لا يلزم أحدًا، وقد لا يكون للمشهد معنى زائد على ما اعتاده الرائي في يومه. ومن لم يجد صلة بحاله فلا حاجة إلى التكلف.
وللتفاصيل دلالتها، فلون المنشفة الفاتح قد يشير إلى صفاء وهدوء، ودفؤها قد يعبّر عن راحة. وتجفيف اليدين أولًا قد يرتبط بالرغبة في إكمال ما تبقى من عمل. وتجفيف الوجه قد يعبّر عن الرغبة في الظهور بحال طيبة. وإذا كانت المنشفة معلقة في مكانها المعتاد فالمعنى يميل إلى الانتظام. ولا يُبنى على تفصيلة واحدة تفسير كامل، فالأحلام متداخلة وسريعة التبدل، وكثير منها يتبدد عند الاستيقاظ.
ومن الناحية العملية والنفسية، قد يكون الحلم تذكيرًا لطيفًا بقيمة إعطاء النفس وقتًا للراحة بعد الجهد. وقد يكون دعوة هادئة إلى الاعتناء بالتفاصيل الصغيرة التي تُشعر الإنسان بالارتياح. وهذا تأمل عام وليس نصيحة طبية أو نفسية. وإذا كان الإرهاق أو القلق مستمرًا في الواقع ويؤثر على حياة الرائي، فمن الطيب أن يتحدث مع مختص أو مع أحد أهله. ولا يحسن أن يتحول الحلم إلى مقياس يحاسب به الرائي نفسه.
ومن آداب التعامل مع الرؤى ما ورد في الحديث الصحيح بمعناه أن من رأى ما يحب فلا يحدّث بها إلا من يحب (متفق عليه)، وأن من رأى ما يكره فليستعذ بالله من شره ولا يحدّث به أحدًا. وفي ذلك دعوة إلى الاتزان في التعامل مع المنامات وعدم الإكثار من تتبعها. وهذا المشهد هادئ المعنى لا يدعو إلى خوف. والأنفع أن يأخذ الرائي منه معنى الراحة بعد الجهد ثم يمضي إلى يومه. فالرؤيا مجال للتأمل لا للجزم.
وتبقى هذه القراءة اجتهادًا بشريًا ظنيًا، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يعلم الغيب إلا الله وحده. وليحسن الرائي ظنه بربه، وليدعُ الله أن يرزقه راحة البال وصفاء القلب. وما رآه في المنام لا يُبنى عليه شيء في اليقظة ولا يغني عنها. والله أعلم بالصواب.
