حين يرى الإنسان في منامه أنه يتوضأ تحت ضوء ساطع فإن الصورة تجمع بين رمزين متقاربين هما الطهارة والنور. والقراءة تتجه عادة إلى معاني الوضوح والانكشاف والصفاء، وإلى ما يشعر به الرائي في المشهد. وهذه القراءة اجتهاد في فهم الرموز، وليست إخبارًا عن أمر ولا بيانًا لعبادة، ولا تدل على أن الرائي فعل شيئًا في الحقيقة. وللرائي أن يأخذ منها ما يلائم حاله ويدع ما سواه.
الضوء في الرمز يرتبط بالبيان والانكشاف وزوال الغموض، والوضوء يرتبط بالنقاء والتهيؤ. واجتماعهما قد يدل على رغبة في أن تتضح الأمور أمام الرائي، أو على شعور بالانفتاح والصراحة مع النفس. وقد يعبّر المشهد عن إحساس بأن كل شيء ظاهر لا يُخفى، وهو إحساس قد يكون مريحًا عند من اطمأنت نفسه، ومربكًا عند من يحب الخصوصية. والرمز يتسع لهذين الوجهين، ولا يُحصر في أحدهما.
ومما يحسن ذكره أن للنور في الوعي الإسلامي مكانة معنوية عالية، وأن الطهارة ترتبط في الأذهان بالصفاء والإشراق. وهذا معنى عام يُستأنس به، ولا يُراد به أن يكون تفسيرًا لهذا الضوء ولا دليلًا على حال الرائي. فالربط هادئ ولا يتجاوز تذكير الرائي بقيمة الصفاء. وللنور في اللغة والثقافة دلالات من البيان والهداية والانشراح، وقد ينتفع الرائي بتأمل هذه المعاني دون أن يحمّل الحلم أكثر مما يحتمل. وتبقى القراءة رمزية خالصة.
ذكر بعض المعبّرين في بعض ما يُروى في كتب التعبير أن الضوء في المنام يُحمل على الوضوح بحسب هدوئه وصفائه، وأن شدته المزعجة تغيّر وجه الدلالة، ولا يُجزم بثبوت كل ما يُذكر في هذا الباب. وذهب آخرون من المعبّرين في بعض ما نُقل عنهم إلى أن الأنوار تُقرأ بحسب موضعها وحال الرائي منها، وأن الإشراق أقرب إلى معاني البيان. وتتباين العبارات بين المفسرين فلا تُتخذ قاعدة ثابتة، وللرائي أن يستأنس بما يوافق شعوره.
وللسياق أثر ظاهر في فهم هذا المشهد. فإن كان الرائي في أيام يحتاج فيها إلى أن يتضح له أمر ما فقد يعبّر الحلم عن هذه الحاجة. وإن كان قد مرّ بموقف شعر فيه بأن الأنظار عليه فقد يكون الضوء صورة لذلك الإحساس. وإن كان مرتاحًا فقد لا يكون للضوء أكثر من أنه تفصيل جمالي في المشهد. وليس في هذا ربط بحدث قادم، وإنما هي قراءة لما قد يحمله شعور الرائي.
وتتفاوت القراءة بحسب الرائي. فمن كان يبحث عن إجابة قد يرى في الضوء صورة للتبيّن، ومن كان يميل إلى الخصوصية قد يراه صورة لشعور بالانكشاف، ومن كان طالبًا أو عاملًا قد يراه صدى لإحساسه بأن عمله ظاهر للناس. أما من كان في حال هادئة فربما كان الضوء عنده مجرد إضاءة للمشهد. ولا يلزم أن يُحمل كل ضوء في المنام على معنى كبير.
وتفاصيل الحلم تلوّن الدلالة. فالضوء اللطيف المريح يُقرأ صفاءً وطمأنينة، والضوء الحاد المزعج يُقرأ انزعاجًا من الانكشاف أو من شدة الانتباه. ومصدر الضوء، أهو شمس أم مصباح أم نافذة، يضيف ظلالًا، فالشمس قد توحي بالسعة، والمصباح بالألفة، والنافذة بالانفتاح على الخارج. ولا ينبغي تحويل كل تفصيلة إلى قاعدة، فالمشهد صورة واحدة متكاملة.
ومن الناحية العملية والنفسية، قد ينفع الرائي أن يسأل نفسه بهدوء عمّا يريد أن يتضح له، وأن يمنح نفسه مساحة من الخصوصية إن كان يشعر بكثرة الأنظار. وهذا تأمل عام وليس نصيحة طبية أو نفسية. وإذا كان الشعور بالانكشاف أو القلق من نظرة الناس مستمرًا ويؤثر في حياته فإنه يستحق أن يُعرض على مختص أو على أحد الأهل الموثوقين. فهذا من حسن العناية بالنفس، وليس نقصًا فيها.
ومن اللطيف أن ينظر الرائي إلى الضوء في الحلم نظرة تفاؤل هادئ، فالنور في أصل الصورة يوحي بالأنس والطمأنينة. وقد يكون في المشهد دعوة إلى أن يكون المرء واضحًا مع نفسه، رفيقًا بها، لا يقسو عليها حين تخطئ ولا يغتر حين تصيب. وهذا فهم نفسي عام وليس قطعًا بشيء. وبقاء الصورة دقائق ثم زوالها أمر طبيعي لا يُحمَّل أكثر مما يحتمل. وقد يكون من المفيد أن يسترجع الرائي ما كان يشعر به وهو في المشهد، فالشعور بالراحة أمام الضوء غير الشعور بالحرج منه، والفرق بينهما هو ما يدل الرائي على اتجاه المعنى. وليكن النظر في ذلك على سبيل التأمل الخفيف، لا على سبيل البحث المضني عن إجابة.
وبعد ذلك كله فهذا اجتهاد بشري ظني يحتمل الصواب والخطأ، ولا يقطع بحال الرائي ولا بما تأتي به الأيام. والأولى أن يحسن الظن بالله وأن يدعوه بالنور في القلب والبصيرة في الأمر. ويترك الغيب لعلّام الغيوب. والغيب لا يعلمه إلا الله.
