يرى بعض الناس في منامهم أن ماء الوضوء مهيأ أمامهم ينتظرهم، كأن الإبريق ممتلئ والمكان مرتب قبل أن يصلوا إليه. وهذه الصورة تُقرأ رمزيًا بوصفها تعبيرًا عن شعور بالاستعداد أو بوجود أمر ينتظر الرائي في حياته اليومية. والقراءة اجتهاد في فهم الرموز، وليست رسالة غيبية ولا إخبارًا عن أمر ولا بيانًا لعبادة، ولا تدل على أن الرائي فعل شيئًا في الحقيقة. وللرائي أن يأخذ منها ما يوافق حاله فحسب.
الانتظار في الرمز يتصل بالاستعداد والتهيؤ، وماء الوضوء يتصل بالصفاء والترتيب. واجتماعهما قد يعبّر عن شعور بأن ثمة ما يُعدّ للرائي من حوله، كأن يكون محاطًا بمن يعتني به، أو يشعر بأن الظروف مهيأة لبداية هادئة. وقد يدل على أن الرائي هو من يؤجل خطوة مهيأة له أصلًا، فهي أمامه وهو يتردد. ويحتمل أن يكون المشهد صورة لحبه للترتيب والاستعداد المسبق. والمعنى مفتوح، ولا يُحصر في وجه واحد.
ومما يحسن ذكره أن الإسلام يعظّم قيمة العناية بالتهيؤ في الأمور عمومًا، وأن الطهارة ترتبط في الوعي الإسلامي بالصفاء. وقد ورد في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: الطهور شطر الإيمان (رواه مسلم). ويُذكر الحديث هنا للتأمل في معنى النقاء، ولا يُراد به أن يكون تفسيرًا للحلم ولا دليلًا على حال أحد، ولا يُفهم منه أن الرؤيا تحمل خبرًا. فالربط عام وهادئ، ومقصوده تذكير بجمال الصفاء.
ذكر بعض المعبّرين في بعض ما يُروى في كتب التعبير أن الماء المهيأ في المنام يُحمل على الخير بحسب صفائه وقربه، ولا يُجزم بثبوت كل ما يُذكر في هذا الباب. وذهب آخرون من المعبّرين في بعض ما نُقل عنهم إلى أن الاستعداد في الرؤيا يُقرأ تهيؤًا لمرحلة بحسب حال الرائي وما يحيط به. وتتباين الأقوال بين المفسرين، فلا تُتخذ قاعدة ثابتة. ولا يُفهم منها أن الحلم يخبر بحدث قادم، فالمقام مقام رمز يستأنس به صاحبه ولا يبني عليه موقفًا.
وللسياق أثر في هذه الصورة. فإن كان الرائي في أيام ينتظر فيها أمرًا، كإجابة أو موعد أو بداية عمل، فقد يكون المشهد صدى لهذا الانتظار. وإن كان يرتب لشيء في حياته فقد يعبّر الحلم عن ميله إلى الإعداد المسبق. وإن كان في حال عادية فقد يكون الحلم صورة لطيفة بلا دلالة. وليس في شيء من هذا ربط بحدث قادم، وإنما هي قراءة لما قد تحمله النفس في يومها.
وتتنوع القراءة بحسب الرائي. فالمنظّم قد يرى في المشهد صورة لحبه للترتيب، والمتردد قد يراه دعوة هادئة إلى الإقدام، ومن كان محاطًا بمن يعتني به قد يراه امتنانًا مستترًا. أما من كان لا ينتظر شيئًا فقد يكون المنام عنده مجرد مشهد جميل. ولا يلزم أن يبحث كل رائٍ عن رسالة في كل صورة، فبعض الصور أقرب إلى خواطر النوم الطبيعية.
وتفاصيل الحلم توضح الاتجاه. فإن كان المشهد مرتبًا هادئًا فهو أقرب إلى الطمأنينة، وإن كان ينتظره أحد قريب فهو أقرب إلى الحاجة إلى الرفقة. وإن كان الرائي مترددًا في الاقتراب من الماء فقد يعبّر ذلك عن تهيّب من خطوة، وإن أقبل عليه بسهولة فقد يعبّر عن استعداد. ولا تُجعل هذه الاحتمالات قواعد، فهي إضاءات خفيفة على الصورة.
ومن الناحية العملية والنفسية، قد ينفع الرائي أن يسأل نفسه بهدوء عن الأمر الذي يشعر أنه مهيأ له، وأن يقسّمه إلى خطوات صغيرة، وأن يتحدث مع من يثق بهم إن كان متهيبًا. وهذا تأمل عام وليس نصيحة طبية أو نفسية. وإذا كان التردد أو القلق مستمرًا ويؤثر في حياته فإنه يستحق أن يُعرض على مختص أو على أحد الأهل الموثوقين، فهذا من حسن العناية بالنفس.
ومن اللطيف أن يتذكر الرائي أن الأحلام لا تحمل أوامر ولا مواعيد، وإنما هي صور تتشكل من الذاكرة والمزاج. وقد يكون في المشهد دعوة رقيقة إلى أن يرى الإنسان ما هو مهيأ له من نعم في حياته، كصحبة طيبة أو وقت هادئ أو فرصة صغيرة. وهذا فهم نفسي عام وليس قطعًا بشيء. وحسن الظن بالله يجعل القلب أخف حين ينتظر، ويعلّم الإنسان أن يمضي في يومه هادئًا. وقد يفيد الرائي أن يتذكر أن الانتظار في الحلم قد يكون مجرد صورة للتأهب العادي الذي يعيشه كل إنسان في أيامه، كتأهبه لموعد أو لعمل أو لقاء. فلا يحمّل المشهد فوق ما يحتمل، وليجعل منه مناسبة صغيرة للتأمل في ما هو مهيأ له من خير بسيط في يومه.
وبعد ذلك كله فهذا اجتهاد بشري ظني يحتمل الصواب والخطأ، ولا يقطع بحال الرائي ولا بما تأتي به الأيام. والأولى أن يحسن الظن بالله وأن يدعوه بالتوفيق وصفاء القلب. ويترك الغيب لعلّام الغيوب. والغيب لا يعلمه إلا الله.
