قد يرى الإنسان في منامه أنه يتوضأ ثم يقل الماء فجأة حتى يكاد ينفد. وهذا المشهد يُقرأ رمزيًا بوصفه تعبيرًا عن شعور بالنقص أو الاستعجال أو الحاجة إلى التدبير. والقراءة اجتهاد في فهم الرموز، وليست إخبارًا عن أمر ولا وعيدًا بشيء، ولا تعني أن الرائي فعل شيئًا في الواقع. وليس في الصورة ما يستدعي الخوف، فهي من صور النفس تعرضها على صاحبها في نومه.
الماء رمز الحياة والصفاء والانتعاش، وقلّته المفاجئة تضيف إليه معنى المحدودية. فقد يعبّر المشهد عن شعور بأن الطاقة أو الوقت أو الصبر يقل في وقت يحتاج إليه الرائي. وقد يدل على رغبة في أن يكتفي بقدر هادئ من الأشياء ويحسن توزيعه. ويحتمل أن يكون صدى لحرص الرائي على ألا يضيع ما بين يديه. والرمز يتسع لهذه الوجوه جميعًا، ولا يُحصر في أحدها.
ومما يحسن ذكره في باب الصفاء والاعتدال، وهو معنى يتسع له الرمز اتساعًا هادئًا ويُفهم منه التأمل في قيمة التدبير في الحياة عمومًا، أنه جاء في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: الطهور شطر الإيمان (رواه مسلم). ويُذكر هذا هنا للتأمل في قيمة الصفاء عمومًا، وليس تفسيرًا للحلم ولا دليلًا على حال أحد.
ذكر بعض المعبّرين في بعض ما يُروى في كتب التعبير أن قلة الماء في المنام تُحمل على ضيق في أمر بحسب حال الرائي، ولا يُجزم بثبوت كل ما يُذكر في هذا الباب. وذهب آخرون من المعبّرين في بعض ما نُقل عنهم إلى أن نقص الماء يُقرأ بحسب ما حوله من تفاصيل، فقد يُقرأ حاجة إلى ما يروي ويُنعش. وتختلف الأقوال بين المفسرين، فلا تُتخذ قاعدة. ولا يُفهم من قولهم شيء عن مال أو رزق أو مصير، فالمقام مقام رمز لا مقام خبر.
وللسياق أثر في فهم هذه الصورة. فإن كان الرائي في أيام مرهقة قد استنفدت طاقته فقد يكون الحلم صدى لذلك. وإن كان يوزع وقته بين أعمال كثيرة فقد يعبّر المشهد عن إحساسه بأن الوقت لا يكفي. وإن كان في سعة وهدوء فقد لا يكون للمشهد أكثر من أنه صورة عابرة. وليس في شيء من ذلك ربط بحدث قادم، وإنما هي قراءة لما قد تحمله النفس.
وتتفاوت القراءة بحسب حال الرائي. فمن كان يشعر بالتعب قد يرى في قلة الماء رمزًا لانخفاض طاقته، ومن كان حريصًا على التدبير قد يراه تذكيرًا بحسن الاعتناء، ومن كان يخشى النقص قد يراه صدى لهذا الخوف. أما من كان مطمئنًا فلا يلزمه أن يفتش عن معنى لما لم يقلقه. والأحلام لا تُقرأ بالإكراه، ولا يُطلب من كل رائٍ أن يخرج منها بخلاصة.
وتفاصيل الحلم تعدّل المعنى. فإن قلّ الماء ثم عاد في المشهد فقد يُقرأ ذلك قدرة على التعويض والتدارك، وإن بقي قليلًا فقد يُقرأ حاجة إلى الاكتفاء بما هو متاح. وإن كان الرائي هادئًا في الحلم فهذا أقرب إلى الرضا، وإن كان منزعجًا فهو أقرب إلى القلق من النقص. ولا تُجعل أي تفصيلة ميزانًا نهائيًا، فالصورة كلها هي الأساس.
ومن الناحية العملية والنفسية، قد ينفع الرائي أن يمنح نفسه فترات راحة، وأن يرتب أولوياته بحيث لا يستنزف طاقته، وأن يتحدث مع من يثق بهم عما يثقله. وهذا تأمل عام وليس نصيحة طبية أو نفسية. وإذا كان الإحساس بالنقص أو الإرهاق مستمرًا فإنه يستحق أن يُعرض على مختص أو على أحد الأهل الموثوقين، فهذا من حسن العناية بالنفس.
ومن الجميل أن يرى الرائي في المشهد دعوة لطيفة إلى القناعة والتدبير، فالقليل المنظّم قد يغني عن الكثير المبعثر. وهذه قراءة نفسية عامة وليست قطعًا بشيء. وبقاء الصورة في الذهن ثم زوالها أمر طبيعي لا يُحمّل أكثر مما يحتمل. وقد ينفع الرائي أن يتذكر أن النقص في الحلم لا يُقاس عليه في اليقظة، فالنفس تصنع صورها بحسب ما يشغلها. وإذا كان في المشهد ما أوحى بالقلق فليقابله الرائي بابتسامة هادئة وبقدر من الثقة بأن اليوم يتسع لما يحتاجه. ومن حسن التدبير أن يقدّر الإنسان طاقته فلا يرهقها بما فوقها، وأن يطلب العون ممن حوله حين يحتاج إليه. وهذه معانٍ إنسانية عامة تتصل بالصورة اتصالًا خفيفًا، ولا تُجعل شرحًا قاطعًا لها. وفي الصورة أيضًا دعوة إلى الامتنان لما هو حاضر، فالماء القليل الهادئ خير من الكثير الجارف في بعض الأحوال. وهذه خاطرة لطيفة لا أكثر، يأخذ منها الرائي ما يريحه ويترك ما سواه.
وبعد ذلك كله فهذا اجتهاد بشري ظني يحتمل الصواب والخطأ، ولا يقطع بحال الرائي ولا بما تأتي به الأيام. والأولى أن يحسن الظن بالله وأن يدعوه بالبركة وطمأنينة القلب. ويترك الغيب لعلّام الغيوب. والغيب لا يعلمه إلا الله.
