قد يتذكر النائم مشهدًا يجتمع فيه أطفال مع هيئات ملائكية هادئة في جو لطيف، فيستيقظ وفي قلبه رقة وحنان. وهذه الصورة تُحمل على أنها صورة ذهنية رمزية تتعلق بمعاني البراءة واللطف والرعاية، وليست إخبارًا بأمر غيبي ولا بشارة ولا إنذارًا. وليس فيها وعد للرائي بشيء، ولا افتراض لحال أحد من الأطفال في الواقع. وتُقرأ بنبرة متواضعة، لأن الأحلام تتكوّن من الذاكرة والمشاعر والخيال.
الأطفال في لغة الرموز يدلون على البراءة والبدايات والصفاء والفرح الصغير الذي يملأ البيت. وحين تقترن بهم صورة الملائكة في الذهن مالت الدلالة إلى النقاء والحنان والرغبة في حماية ما هو بسيط وجميل في الحياة، فتصير الصورة تعبيرًا عن شوق النفس إلى الطمأنينة التي يمنحها وجود الصغار. وقد تكون صدى لمشهد رآه الرائي لأطفال في الشارع أو في الأسرة. ولا يُراد منها وصف لأحوال الملائكة ولا لهيئتهم.
وقد يكتفي المرء من الصورة بما تركته في نفسه من هدوء أو أنس، دون أن يسعى إلى استخراج دلالات بعيدة. وهذه قراءة عامة ظنية لا تدّعي علم الغيب، ولا تُنزَّل على الرائي كأنها حكم عليه أو على أحوال حياته. ولا يُراد بذلك كله إلا حسن الأدب في التعامل مع الأحلام. ويُذكر كذلك ما ورد في الحديث الصحيح بمعناه من أن من رأى ما يحب فلا يحدّث به إلا من يحب، متفق عليه، وفيه أدب في التعامل مع الصور الجميلة دون مباهاة.
ذكر بعض المعبّرين أن الأطفال في المنام يُعتبرون بحالهم وهيئتهم وما يظهر عليهم من سرور أو اضطراب، وأن الصور الهادئة الضاحكة أقرب إلى معاني الأنس والخفة. وذهب آخرون من المعبّرين في بعض ما نُقل عنهم إلى مراعاة القرائن وحال الرائي قبل الجزم بمعنى. وتتباين عبارات أهل التعبير في ذلك تباينًا واسعًا، فلا يُقطع بتفسير واحد. ويكتفي الحذر بالمعاني العامة كالبراءة واللطف، ثم يترك ما وراء ذلك للظن.
يتغير المعنى بتغير السياق. فإن كان الأطفال في بيت مألوف فالصورة أقرب إلى الألفة الأسرية والدفء، وإن كانوا في حديقة أو ساحة فهي أقرب إلى معنى المرح والانطلاق. وإن كان الجو لطيفًا مضيئًا فالمعنى أقرب إلى الصفاء، وإن كان فيه بكاء أو ارتباك فقد تعبّر الصورة عن قلق على أمور بسيطة تشغل بال الرائي في يقظته، ولا يُفترض من ذلك شيء عن أحد في الواقع.
وللرائي حالات تؤثر في الدلالة. فمن كان أبًا أو أمًّا قد تعبّر الصورة عن اهتمامه بصغاره وحرصه عليهم، ومن كان بلا أولاد قد تعبّر عن حنين فطري إلى الدفء الأسري، ومن كان معلمًا قد تعبّر عن اهتمامه بتلاميذه. وللمغترب والجد والجدة وكبير السن مشاهد متباينة من ذلك. وكل ذلك احتمالات نفسية عامة لا تُنزَّل على أحد بقطع، ولا يُبنى عليها توقع لشيء في المستقبل.
ومن التفاصيل التي يراعيها المعبّرون ضحك الأطفال وهدوء أصواتهم، ونظافة المكان وإضاءته، ووضوح الوجوه أو غموضها. فالمشهد المبتسم الهادئ أقرب إلى الراحة، والصاخب الغائم قد يعبّر عن تعب في الذهن. ولا يُراد من هذه التفصيلات تحديد هيئة ولا عدد ولا ما يفعله الملائكة، فذلك غيب لا يدخل في باب التعبير. والصورة كلها من نسج الخيال وما اعتاده النائم من مشاهد الطفولة.
ومن الزاوية العملية قد تدعو الصورة إلى تخصيص وقت للعب مع الصغار والإنصات إليهم، وإلى الكلمة الطيبة والرفق في التعامل معهم، وإلى استحضار البراءة والبساطة في الحياة اليومية. فالرفق يخفف عن الكبار قبل الصغار. وليس هذا الحلم نصيحة طبية أو نفسية، ومن استمر معه القلق أو الحزن أو الأرق فالأولى أن يتحدث مع مختص أو مع أحد أهله الذين يثق بهم، فالكلام الصريح أنفع من الغوص في تفاصيل الصور.
ويحسن بالرائي ألا يجعل ما يراه من أطفال في المنام ميزانًا لحال أحد منهم في الواقع، فصور الأحلام تُركّب من ذكريات وانطباعات عامة، وقد لا يكون في الصورة شخص محدد أصلًا. والأولى أن يأخذ منها معنى الحنان والبراءة ويحمد الله عليه، ثم يمضي في يومه بعمل صالح وكلمة طيبة، ويكثر من الدعاء لمن يحب بالخير.
وخلاصة القول أن الملائكة والأطفال في المنام صورة رمزية تدور حول البراءة واللطف والحنان والسكينة. وهذا اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. فمن رأى ما يحب فليحمد الله ويحسن الظن به، ومن رأى ما يكره فليستعذ بالله من شرها ولا يحدّث بها أحدًا. وسؤال الله العافية والطمأنينة وصلاح الحال خير ما يُختم به.
