قد يتذكر النائم مشهدًا يجتمع فيه أصدقاؤه مع هيئات ملائكية هادئة في جو بسيط ودود، فيستيقظ بإحساس من الأنس والخفة. وهذه الصورة تُحمل على أنها صورة ذهنية رمزية تتعلق بمعاني الصحبة والمودة والتعاون، وليست إخبارًا بأمر غيبي ولا بشارة ولا إنذارًا. وليس فيها وعد للرائي بشيء، ولا افتراض لحال أحد من أصدقائه في الواقع. وتُقرأ بنبرة متواضعة، لأن الأحلام تتكوّن من الذاكرة والمشاعر والخيال.
الأصدقاء في لغة الرموز يدلون على الأنس والمشاركة وخفة الهم، فمن له صحبة طيبة يهون عليه كثير من العناء. وحين تقترن بهم صورة الملائكة في الذهن مالت الدلالة إلى الصفاء والنقاء في العلاقات، فتصير الصورة تعبيرًا عن شوق النفس إلى صحبة صافية بلا تنافس ولا جفاء. وقد تكون صدى لجلسة قريبة أو لحنين إلى أيام الدراسة أو العمل. وهؤلاء الأشخاص في الحلم صور ذهنية، ولا يُجزم بأنها تمثل أصحابها كما هم.
قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ﴾ (سورة المائدة، الآية 2). وفي هذا ما يذكّر بقيمة التعاون على الخير في الصحبة بوصفه معنى عامًا، دون أن تكون الآية تفسيرًا لهذا الحلم أو دليلًا على حال أحد من الأصدقاء. ويُذكر كذلك أن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، متفق عليه، لبيان مكانة الرؤى في الجملة، لا للجزم بأن هذه الصورة منها.
ذكر بعض المعبّرين أن الأصحاب في المنام يُعتبرون بحالهم وما يجري بينهم، وأن الاجتماع الهادئ الضاحك أقرب إلى معاني الألفة والانتظام. وذهب آخرون من المعبّرين في بعض ما نُقل عنهم إلى مراعاة القرائن وحال الرائي قبل الجزم بدلالة. وتتباين آراء المعبّرين في هذا الباب، فلا يُقطع بتفسير واحد. ويكتفي الحذر بالمعاني العامة كالأنس والتعاون، ثم يترك ما وراء ذلك للظن الذي قد يخطئ.
يتغير المعنى بتغير السياق. فإن كان اللقاء في مكان معتاد كالمقهى أو الحي أو المدرسة فالصورة أقرب إلى استدعاء ذكريات مألوفة، وإن كان في مكان غريب فقد تعبّر عن رغبة في تجديد الصلات. وإن كان الجو مرحًا مضيئًا فالمعنى أقرب إلى الصفاء، وإن كان فيه فتور أو صمت فقد تعبّر الصورة عن مشاعر مؤجلة تجاه علاقة محددة في اليقظة، ولا يُفترض من ذلك شيء عن أحد.
وللرائي حالات تؤثر في الدلالة. فمن كان مغتربًا قد تعبّر الصورة عن شوقه إلى أصحابه القدامى، ومن كان وحيدًا قد تعبّر عن حاجته إلى صحبة، ومن كان مشغولًا قد تعبّر عن تقصيره في السؤال عنهم. وللطالب والموظف والأم وكبير السن مشاهد متباينة. وكل ذلك احتمالات نفسية عامة لا تُنزَّل على أحد بقطع، ولا يُبنى عليها توقع.
ومن التفاصيل التي يراعيها المعبّرون ضحك الحاضرين وهدوء كلامهم، ووضوح الوجوه، وإضاءة المكان، وإحساس الرائي بينهم من راحة أو غربة. فالمشهد الودود أقرب إلى الراحة، والمتوتر قد يعبّر عن ضغط اجتماعي. ولا يُراد من هذه التفصيلات تحديد هيئة الملائكة ولا عددهم ولا ما يفعلونه، فذلك غيب لا يدخل في باب التعبير، والصورة كلها من نسج الخيال.
ومن الزاوية العملية قد تدعو الصورة إلى السؤال عن صديق قديم، أو ترتيب لقاء بسيط، أو تصفية سوء فهم قديم بكلمة طيبة، أو اختيار صحبة تدفع إلى الخير. فالمبادرة الصغيرة تُجدد الود. وليس هذا الحلم نصيحة طبية أو نفسية، ومن استمر معه القلق أو الوحدة أو الحزن فالأولى أن يتحدث مع مختص أو مع أحد أهله الذين يثق بهم، فهذا أنفع من البحث في الصور.
ويحسن بالرائي ألا يبني ظنًا في صديق من أجل مشهد رآه في نومه، فالأحلام تعيد تركيب الوجوه والمواقف بلا قاعدة ثابتة، ولا تدل على نوايا أحد. والأولى أن يأخذ منها الأنس العام ويحمد الله عليه، ثم يعود إلى علاقاته في اليقظة بحسن الظن والكلمة الطيبة والسؤال المعتاد. وقد تكون الصورة مجرد انعكاس لأحاديث أو رسائل جرت في اليوم السابق، ثم أعاد النوم مزجها بصورة هادئة. فلا حاجة إلى تأويل كل وجه فيها ولا إلى تفسير كل كلمة، ويكفي الأخذ بالمعنى العام الذي يُشعر بالراحة.
وخلاصة القول أن الملائكة والأصدقاء في المنام صورة رمزية تدور حول الأنس والتعاون والصفاء والسكينة. وهذا اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. فمن رأى ما يحب فليحمد الله ويحسن الظن به، ومن رأى ما يكره فليستعذ بالله من شرها ولا يحدّث بها أحدًا. وسؤال الله العافية والطمأنينة وصلاح الحال خير ما يُختم به.
