قد يرى النائم صورة هيئات ملائكية هادئة تتراءى مع أول الضوء عند الفجر، فيستيقظ وفي صدره صفاء وهدوء. وهذه الصورة تُحمل على أنها صورة ذهنية رمزية تتعلق بمعاني البداية الجديدة والسكينة والأمل الهادئ، وليست إخبارًا بأمر غيبي ولا بشارة ولا إنذارًا. وليس فيها وعد للرائي بشيء ولا قطع بحال أحد. وتُقرأ بنبرة متواضعة، لأن الأحلام تتكوّن من الذاكرة والمشاعر والخيال.
الفجر في لغة الرموز يدل على بداية يوم جديد وانقشاع الظلام وسكون الأصوات، وهو وقت تجتمع فيه برودة الهواء وصفاء الأفق. وحين تقترن به صورة الملائكة في الذهن مالت الدلالة إلى النقاء والرقة والهدوء الداخلي، فتصير الصورة تعبيرًا عن رغبة النفس في صفحة جديدة وبداية خفيفة. وقد تكون صدى لوقت استيقاظ مبكر أو لتفكير في أمر يوشك أن يبدأ. ولا يُراد منها وصف لأحوال الملائكة ولا لهيئتهم ولا لما يفعلون.
وتبقى الأحلام في أغلبها صورًا ذهنية تتألف من الخيال وما مرّ بالإنسان في يومه من مشاهد وأفكار. ومن الأنفع للرائي أن يوجّه اهتمامه إلى ما يمكنه فعله في يقظته من طاعة وإحسان وحسن خلق. ومن لم يتذكر شيئًا من التفاصيل فلا حرج عليه، فالنسيان بعد الاستيقاظ أمر طبيعي. ويُذكر كذلك أن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة كما ورد في الحديث الصحيح المتفق عليه، وذلك لبيان مكانة الرؤى في الجملة لا للجزم بأن هذه الصورة منها.
ذكر بعض المعبّرين أن الأوقات في المنام تُعتبر بما يرافقها من هدوء أو اضطراب، وأن الصباح الصافي أقرب إلى معاني الانفراج والصفاء. وذهب آخرون من المعبّرين في بعض ما نُقل عنهم إلى أن للضوء الأول دلالة على الوضوح بحسب القرائن. وتتباين عبارات أهل التعبير في ذلك، فلا يُقطع بدلالة واحدة. ويكفي الحذر أن يقول إن الصورة تدور حول معنى البداية الهادئة، ثم يترك ما وراء ذلك للظن الذي قد يصيب وقد يخطئ.
يتغير المعنى بتغير السياق. فإن كان الفجر في مكان مفتوح كالسطح أو الحقل فالصورة أقرب إلى سعة الصدر والتأمل، وإن كان في البيت فهي أقرب إلى الراحة الأسرية. وإن كان الأفق صافيًا فالمعنى أقرب إلى الوضوح والهدوء، وإن كان ضبابيًا فقد يعبّر عن أمر لم يتضح في الذهن بعد. وإن اقترنت الصورة بالبرد أو الوحدة فقد تكون صدى لشعور حاضر في اليقظة أكثر منها علامة على شيء آخر.
وللرائي حالات تؤثر في الدلالة. فمن كان ينتظر بداية جديدة في عمل أو دراسة قد تعبّر الصورة عن توقه إلى الانطلاق، ومن كان متعبًا قد تعبّر عن حاجته إلى راحة، ومن اعتاد الاستيقاظ المبكر قد تكون الصورة امتدادًا لعادته. وللأم والطالب والعامل وكبير السن مشاهد متباينة من ذلك. وكل ذلك احتمالات نفسية عامة لا تُنزَّل على أحد بقطع، ولا يُبنى عليها توقع لما سيحدث.
ومن التفاصيل التي يراعيها المعبّرون درجة الضوء، وهدوء الأصوات، ووضوح الهيئات أو غموضها، وبرودة الجو أو دفؤه. فالمشهد الصافي أقرب إلى الراحة، والغائم قد يعبّر عن تردد في الذهن. ولا يُراد من التفصيلات تحديد عدد ولا هيئة ولا مرتبة لأحد، فذلك غيب لا يدخل في باب التعبير. والصورة كلها من نسج الخيال وما اعتاده النائم من مشاهد الصباح الباكر.
ومن الزاوية العملية قد تدعو الصورة إلى ضبط موعد النوم والاستيقاظ، والاستفادة من هدوء أول اليوم في القراءة أو الذكر أو ترتيب الأولويات، والاعتناء بالنوم الكافي. فالبدايات الهادئة تنعكس على بقية اليوم. وليس هذا الحلم نصيحة طبية أو نفسية، ومن استمر معه القلق أو الأرق فالأولى أن يتحدث مع مختص أو مع أحد أهله الذين يثق بهم، فالكلام الصريح أنفع من الغوص في الصور.
ويحسن بالرائي ألا يجعل مشاهد الفجر الجميلة ميزانًا لعمله أو لحاله، فهي كثيرًا ما تأتي من تفكير في الصباح أو من مشاهد رآها في يقظته. والأولى أن يأخذ منها معنى الصفاء ويشكر الله عليه، ثم يمضي في يومه بعمل صالح وكلمة طيبة. وحسن الظن بالله يغني عن تتبع كل صورة تمر في المنام.
وخلاصة القول أن الملائكة في الفجر في المنام صورة رمزية تدور حول البداية الهادئة والصفاء والأمل الخفيف. وهذا اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. فمن رأى ما يحب فليحمد الله ويحسن الظن به، ومن رأى ما يكره فليستعذ بالله من شرها ولا يحدّث بها أحدًا. وسؤال الله العافية والطمأنينة وصلاح الحال خير ما يُختم به.
