إذا رأى النائم ملاكًا عند نافذة فقد يتخيل ضوءًا يدخل من الخارج وهدوءًا يخيّم على المكان، وربما بقيت صورة النافذة والملاك معًا في ذهنه. والنافذة مشهد بسيط يتكرر في الأحلام، لأنها تصل الإنسان بما وراء جدرانه. غير أن الصورة رمز ذهني لا يُقرأ كأنه خبر عن حقيقة غيبية ولا كرسالة. وما يلي قراءة رمزية هادئة محتاطة، تتأمل معنى الانفتاح والتطلع داخل المشهد دون جزم.
في الرمزية العامة تدل النافذة على الانفتاح على العالم والتطلع والتنفس والتخفف من الانغلاق، وهي حد فاصل بين الداخل والخارج. فإذا اجتمعت مع صورة يقترن بها اللطف والأمان في الوجدان، فقد يقرأ المعبّر ذلك تعبيرًا عن حاجة الرائي إلى هواء جديد في تفكيره، أو عن رغبة في أن يطل على الحياة من زاوية أرحب. وقد يعبّر عن توق إلى الصفاء بعد انغلاق. وكل هذا تأويل شعوري عام لا يتجاوز الرمز.
ومن أدب الرؤيا ما رواه البخاري ومسلم بمعناه، أن النبي ﷺ أرشد من رأى ما يحب إلى ألا يحدّث به إلا من يحب، وبيّن أن الرؤيا من الله والحلم من الشيطان. وفي هذا ما يذكّر بحسن اختيار من يُحدَّث بالأحلام وبأن الأحلام أنواع. ولا يعني ذكر الحديث أن هذا المشهد من أحد هذه الأنواع، فالقطع بذلك لا يملكه أحد، وإنما يُذكر الحديث لضبط الأدب مع الرؤى.
ذكر بعض المعبّرين في كتب التعبير أن الفتحات والأبواب والنوافذ في المنام تُعتبر بحال الرائي وبما يحيط بها من قرائن، فللمشهد الواحد وجوه متعددة. وذُكر عن بعض المعبّرين في بعض ما نُقل عنهم أن النافذة قد ترتبط عند بعضهم بالسعة وانفتاح الأمور، وخالفهم آخرون فجعلوا الدلالة تابعة لحال الرائي. ولذلك تُقرأ هذه النقول قراءة محتاطة، وتُترك دون جزم، ولا يُبنى عليها توقع لشيء.
يتغير المعنى بتغير حال النافذة. فإن كانت مفتوحة يدخل منها نور لطيف مال التأويل إلى الانشراح والتجدد، وإن كانت مغلقة فقد تعبّر عن رغبة في الخصوصية والهدوء. وإن كان الملاك داخل البيت قرب النافذة فهو أقرب إلى معنى الأنس بالمكان، وإن كان خارجها فقد يرتبط بالتطلع إلى ما وراء المألوف. وإن كان الزجاج مضبّبًا فقد يدل على أفكار لم تتضح بعد، والمشهد الكلي أصدق من تفصيله.
وقد يختلف الفهم باختلاف الرائي. فمن كان يعيش في شقة ضيقة قد يرى النافذة شوقًا إلى الاتساع، ومن أنهكه الازدحام قد يراها تعبيرًا عن حاجته إلى نسمة هواء. وقد تقرؤها امرأة تقضي أكثر وقتها في البيت رغبة في إطلالة جديدة، ويقرؤها شاب يتطلع إلى بداية مختلفة أثرًا لتطلعه إلى فرص أرحب. وهذه احتمالات لا يُجزم بأحدها، فصاحب الحلم أدرى بنفسه وبما يشغله ويثقل صدره.
ومن التفاصيل التي تساعد على التأمل: وقت النهار الذي ظهرت فيه النافذة، وهل كانت صغيرة أم واسعة، وهل كان المنظر خارجها واضحًا، وهل شعر الرائي برغبة في الاقتراب منها أم في البقاء. ولا يلزم أن يتذكر كل ذلك، فالنسيان طبيعي. والأهم هو الإحساس العام الذي لازمه. فإن كان إحساس رحابة وهدوء فهو ما يُعتدّ به، وما سواه لا يستوجب البحث، فالحلم ليس نصًا يُفسَّر حرفًا حرفًا.
وفي الجانب العملي والنفسي قد يكون الحلم أثرًا لجلوس الرائي قرب نافذة أو لرغبته في هواء نقي ومنظر أبعد. ومما ينفع تهوية الغرفة قبل النوم، والنظر إلى الأفق بضع دقائق، وتخفيف الانشغال بالشاشات. وهذا كلام عام وليس نصيحة طبية ولا نفسية. ومن استمر قلقه أو شعوره بالانغلاق أو اضطرب نومه فالأنسب أن يتحدث مع مختص أو أحد الأهل، فالحديث مع من يُوثق به يفتح نافذة في الصدر قبل الغرفة.
ولا حاجة إلى تحميل الحلم أكثر مما يحتمل. فالنوافذ من أكثر ما يمر به الإنسان في يومه دون أن ينتبه، فتعود في المنام في ثوب جديد. والتأمل المعتدل في الصورة يفيد، والتهويل لا ينفع. ومن الأحسن أن يأخذ الرائي منها معنى الانفتاح والسكينة ثم يواصل أعماله بنفس خفيفة. وإن تكرر الحلم فقد يكون ذلك أثرًا لانشغال الذهن بمعنى الإطلالة، ولا يلزم أن يحمل التكرار دلالة إضافية.
وخلاصة المعنى أن الملاك عند النافذة يُقرأ رمزًا خياليًا للانفتاح والتطلع والهواء النقي، وليس وصفًا حقيقيًا للملائكة ولا رسالة ولا بشارة ولا إنذارًا. وكل ما سبق اجتهاد بشري ظني يحتمل الخطأ والصواب، ولا يغني عن حسن الظن بالله. والدعاء أن يفتح الله للجميع أبواب الخير ويشرح صدورهم. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده.
