قد يتذكر النائم صورة تحية هادئة أو سلام لطيف ينسبه في ذهنه إلى الملائكة، فيستيقظ وفي نفسه أثر من الدفء والارتياح. وتُعالج هذه الصورة هنا بوصفها رمزًا ذهنيًا يتصل بالمودة والأمان النفسي وحسن الخلق، لا بوصفها رسالة ولا بشارة ولا خبرًا عن أمر قادم. فالأحلام تتشكل من الذاكرة والمشاعر، وما يبدو فيها من تحية يظل صورة تعبّر عما يجول في نفس صاحبها، ولا يُجزم بأن لها وجودًا خارج النفس.
السلام في معناه العام يدل على الأمان والمودة وطيب اللقاء، وهو من أبسط صور الاحتفاء بين الناس. وحين يتخيل النائم هذا المعنى في هيئة لطيفة منسوبة إلى الملائكة، فإن الصورة تجمع بين معنى التحية ومعنى النقاء، فتصبح رمزًا للصفاء في العلاقات وللرغبة في بيئة آمنة هادئة. وهي في الغالب انعكاس لحاجة داخلية إلى القبول والاطمئنان أكثر من كونها إشارة إلى واقعة خارجية.
والتحية الطيبة بين الناس من أيسر الأعمال أثرًا في القلوب. ولا يُقصد بذكر ذلك أن يكون تفسيرًا للحلم أو أن يُنزَّل على الرائي، وإنما هو ربط عام بين صورة التحية ومعنى المودة التي يحتاج إليها كل إنسان في حياته اليومية.
ذكر بعض المعبّرين في باب التعبير أن الصورة الواحدة تتبدل دلالتها بتبدل حال صاحبها وما يقترن بها، وأن الاعتبار بالقرائن أولى من الجزم بالرمز المفرد. وذهب آخرون من المعبّرين في بعض ما نُقل عنهم إلى أن ما يُرى من تحية ولقاء يُحمل في الجملة على معنى الألفة وحسن الصلة بحسب حال الرائي. وتتفاوت أقوال المعبّرين في التفاصيل، فلا يُقطع بقول محدد، ويُكتفى بالمعاني العامة المطمئنة. والحلم لا يُعدّ خبرًا ولا رسالة، ولا يُبنى عليه اعتقاد في أمر من الأمور ولا توقع لشيء قادم. وهذه قراءة عامة ظنية لا تدّعي علم الغيب، ولا تُنزَّل على الرائي كأنها حكم عليه أو على أحوال حياته.
لسياق الحلم أثر في معنى التحية. فإذا كانت في مكان مألوف كالبيت أو المسجد القريب فهي أقرب إلى معنى الألفة والطمأنينة في المحيط المعتاد، وإذا كانت في مكان مفتوح فهي أقرب إلى معنى الانشراح والانفتاح على الناس. وإن جاءت في وقت هادئ من الليل أو النهار فقد تعبّر عن حاجة الرائي إلى وقت صفاء. وإن رافقها ارتباك فقد تكون انعكاسًا لقلق من لقاء قادم في الحياة اليومية لا أكثر.
وتختلف دلالة الصورة باختلاف الرائي. فمن كان يعيش وحدة أو غربة قد تعبّر عن اشتياقه إلى مودة وحضور إنساني، ومن كان في خلاف مع أحد قد تعبّر عن رغبته في صفاء العلاقة، ومن كان مشغولًا بالعمل قد تعبّر عن حاجته إلى ود وهدوء. وللطالب والموظف وربة البيت صور مختلفة من ذلك. وهي كلها احتمالات نفسية عامة لا تُنزَّل على أحد بقطع ولا يُبنى عليها موقف.
ومن التفاصيل التي يلتفت إليها المعبّرون أن تكون التحية بالكلمة أو بالإشارة أو بالابتسامة، وأن تكون مباشرة أو من بعيد. فالتحية الهادئة المطمئنة أقرب إلى معنى الأمان، والتحية العابرة أقرب إلى معنى الخواطر الخفيفة. وليس في ذلك وصف حقيقي للملائكة ولا لهيئتها أو كلامها، فالأمر صور يصوغها خيال النائم مما اعتاده في يقظته من تحيات وعبارات ترحيب.
ومن الجانب العملي يمكن أن تكون الصورة تذكيرًا لطيفًا بأن بذل السلام وحسن اللقاء من أبواب الراحة النفسية في الحياة. فيحسن بالرائي أن يبدأ بالكلمة الطيبة مع أهله وجيرانه وزملائه، وأن يصفو قلبه لمن حوله ما استطاع. وليس هذا الحلم نصيحة طبية أو نفسية، ومن شعر بوحدة ثقيلة أو قلق مستمر فالأولى أن يتحدث مع مختص أو مع أحد أهله الثقات.
وقد يميل بعض الناس إلى تحميل الصورة الجميلة أكثر مما تحتمل، فيظنونها وعدًا أو إشارة خاصة، والاعتدال أسلم. فالحلم الهادئ يكفي أن يُقابل بالحمد والرضا، ولا حاجة إلى تتبع تفاصيله ولا إلى البحث عن مدلولات بعيدة له. والسكينة في اليقظة تتحقق بالأعمال الصالحة والصحبة الطيبة والأذكار المعتادة، لا بالتعلق بما يُرى في النوم.
وخلاصة القول أن سلام الملائكة في المنام صورة رمزية تدور حول المودة والأمان وحسن الخلق وصفاء العلاقات. وهذا كله اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. فمن رأى ما يحب فليحمد الله وليحسن الظن به، وليحدّث به من يحب فقط، ومن رأى ما يكره فليستعذ بالله من شرها ولا يحدّث بها أحدًا. وسؤال الله السلامة والطمأنينة خير ما يُختم به.
