قد يتذكر النائم مشهدًا لهيئة ملائكية هادئة تحمل باقة زهور رقيقة، فيستيقظ وفي نفسه بهجة وخفة. وهذه الصورة تُحمل على أنها صورة ذهنية رمزية تتعلق بمعاني الجمال واللطف والتقدير، وليست إخبارًا بأمر غيبي، ولا رسالة، ولا بشارة. وما يُرى من الزهور في الحلم صورة رمزية لا تحمل خبرًا ولا وعدًا. وتُقرأ بنبرة متواضعة، لأن الأحلام تتكوّن من الذاكرة والمشاعر والخيال، ولا يُجزم بأنها تعبّر عن حقيقة خارجة عن نفس النائم.
الزهور في لغة الرموز تدل على الجمال الرقيق والعناية والتقدير والفرح الذي يدخل القلب بلا ضجيج. وحين تحملها في الذهن هيئة ملائكية مالت الدلالة إلى اللطف والنقاء، فتصير الصورة تعبيرًا عن حاجة النفس إلى جمال هادئ يخفف ثقل الأيام. وقد تكون صدى لحديقة رآها الرائي أو لباقة تلقاها أو أهداها. ولا يُراد منها وصف لأحوال الملائكة ولا لما يفعلونه، ولا يُنسب إلى الزهور معنى مفروض.
ومن الأدب في هذا الباب أن يُنظر إلى المنام نظرة هادئة متواضعة، فلا يُحمَّل فوق ما يحتمل. وما يتذكره الرائي من التفاصيل يتأثر كثيرًا بحاله النفسية ووقت استيقاظه، فلا يُجزم بدلالة واحدة. وبهذا يبقى الأمر في دائرة التأمل الهادئ دون تكلف. ويُذكر كذلك ما ورد في الحديث الصحيح بمعناه من أن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، متفق عليه، لبيان مكانة الرؤى في الجملة لا للجزم بأن هذه الصورة منها.
ذكر بعض المعبّرين أن الزهور في المنام تُعتبر بنوعها ورائحتها ونضارتها، وأن الزهر النضر أقرب إلى معاني السرور والألفة في الجملة. وذهب آخرون من المعبّرين في بعض ما نُقل عنهم إلى مراعاة القرائن وحال الرائي قبل الجزم بدلالة. وتتباين عبارات أهل التعبير في ذلك، فلا يُقطع بتفسير واحد. ويكتفي الحذر بالمعاني العامة كالجمال والبهجة، ثم يترك ما وراء ذلك للظن الذي قد يخطئ.
يتغير المعنى بتغير السياق. فإن كانت الزهور طازجة نضرة فالصورة أقرب إلى معنى الفرح والصفاء، وإن كانت ذابلة فقد تعبّر عن تعب أو حنين إلى شيء مضى. وإن كانت الباقة صغيرة بسيطة فالمعنى أقرب إلى القناعة واللطف، وإن كانت كبيرة فاخرة فقد تعبّر عن رغبة في التقدير. ولا يُبنى على ذلك شيء من التوقع، فالسياق الشعوري أبلغ في بيان المعنى من الشكل.
وللرائي حالات تؤثر في الدلالة. فمن كان يحب الطبيعة قد تكون الصورة امتدادًا لهوايته، ومن كان في مرحلة تعب قد تعبّر عن حاجته إلى جمال يخفف عنه، ومن كان يفتقد لفتة تقدير قد تعبّر عن شوقه إليها. وللطالب والأم والموظف وكبير السن مشاهد متباينة. وكل ذلك احتمالات نفسية عامة لا تُنزَّل على أحد بقطع، ولا يُبنى عليها توقع في الواقع.
ومن التفاصيل التي يراعيها المعبّرون ألوان الزهور وروائحها وعددها، وطريقة حملها، وهدوء الأجواء. فالمشهد اللطيف المشرق أقرب إلى الراحة، والمزدحم قد يعبّر عن كثرة الانشغال. ولا تدل هذه التفصيلات على رسالة ولا مرتبة لأحد، ولا يُراد منها تحديد هيئة الملائكة ولا عددهم، فذلك غيب لا يدخل في باب التعبير، والصورة كلها من نسج الخيال وما اعتاده النائم من مشاهد الأزهار.
ومن الزاوية العملية قد تدعو الصورة إلى إدخال شيء من الجمال في الحياة اليومية، كوضع زهرة في البيت، أو تهنئة قريب بكلمة لطيفة، أو الخروج إلى مكان أخضر، أو الاعتناء بنبتة صغيرة. فالجمال البسيط يرفق بالنفس. وليس هذا الحلم نصيحة طبية أو نفسية، ومن استمر معه القلق أو الحزن أو الأرق فالأولى أن يتحدث مع مختص أو مع أحد أهله الذين يثق بهم.
ويحسن بالرائي ألا يجعل الصور الجميلة ميزانًا لحاله أو لأحوال من يحب، فهي كثيرًا ما تأتي من مشاهد رآها أو ذكريات مرّت به، ولا تنبئ بما سيكون. والأولى أن يأخذ منها معنى البهجة ويحمد الله عليه، ثم يمضي في يومه بعمل صالح وكلمة طيبة، وحسن الظن بالله يغني عن تتبع كل صورة. وقد تبقى صورة الباقة في الذهن وقت الاستيقاظ ثم تتلاشى مع انشغال النهار، وهذا أمر معتاد في الأحلام لا يستدعي بحثًا ولا قلقًا، ويكفي أن يبقى منها أثر لطيف في النفس.
وخلاصة القول أن الملاك الذي يحمل زهورًا في المنام صورة رمزية تدور حول الجمال واللطف والبهجة الهادئة. وهذا اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. فمن رأى ما يحب فليحمد الله ويحسن الظن به، ومن رأى ما يكره فليستعذ بالله من شرها ولا يحدّث بها أحدًا. وسؤال الله العافية والطمأنينة وصلاح الحال خير ما يُختم به.
