قد يتذكر النائم مشهدًا لهيئة ملائكية هادئة تحمل ماءً صافيًا في إناء أو بين يديها، فيستيقظ وفي نفسه انتعاش وهدوء. وهذه الصورة تُحمل على أنها صورة ذهنية رمزية تتعلق بمعاني الصفاء والارتواء والراحة، وليست إخبارًا بأمر غيبي، ولا رسالة، ولا بشارة. وما يُرى من الماء في الحلم صورة رمزية لا تحمل خبرًا ولا وعدًا. وتُقرأ بنبرة متواضعة، لأن الأحلام تتكوّن من الذاكرة والمشاعر والخيال، ولا يُجزم بأنها تعبّر عن حقيقة خارجة عن نفس النائم.
الماء في لغة الرموز يدل على الحياة والنقاء والتجدد، فهو أصل الارتواء وعنوان الصفاء في كل ثقافة. وحين تحمله في الذهن هيئة ملائكية مالت الدلالة إلى اللطف والهدوء والاحتواء، فتصير الصورة تعبيرًا عن حاجة النفس إلى ارتواء معنوي من تعب أو جفاف في المشاعر. وقد تكون صدى لعطش حقيقي أثناء النوم، أو لمشهد ماء جميل رآه الرائي. ولا يُراد منها وصف لأحوال الملائكة ولا لما يفعلونه.
وفي التعامل مع الأحلام عمومًا خير في التأني، فالنفس تتأثر بما تراه وتميل إلى تحميله أكثر مما يحتمل. ولا ينبغي أن يجعل الإنسان من المنام ميزانًا لقراراته أو مقياسًا يقارن به نفسه بغيره. ويكفي من ذلك كله شكر الله على ما يسّره من سكون النفس وصفائها. ويُذكر كذلك بمعناه أن من رأى ما يحب فلا يحدّث به إلا من يحب، متفق عليه، وهو أدب عام في التعامل مع الصور الجميلة.
ذكر بعض المعبّرين أن الماء في المنام يُعتبر بحاله من صفاء أو كدر، وأن الماء الصافي العذب أقرب إلى معاني الراحة والسعة في الجملة. وذهب آخرون من المعبّرين في بعض ما نُقل عنهم إلى مراعاة القرائن ومقدار الماء وموضعه قبل الجزم بدلالة. وتتباين عبارات أهل التعبير في ذلك تباينًا واسعًا، فلا يُقطع بتفسير واحد. ويكتفي الحذر بالمعاني العامة كالصفاء والارتواء، ثم يترك ما وراء ذلك للظن الذي قد يخطئ.
يتغير المعنى بتغير السياق. فإن كان الماء في إناء صغير فالصورة أقرب إلى معنى الكفاية والقناعة، وإن كان كثيرًا جاريًا فهي أقرب إلى معنى السعة والتجدد. وإن كان صافيًا ساكنًا فالمعنى أقرب إلى الهدوء، وإن كان مضطربًا أو معكّرًا فقد تعبّر الصورة عن مشاعر مختلطة في اليقظة لم تهدأ بعد. ولا يُبنى على ذلك شيء من التوقع، فالسياق الشعوري أبلغ من الشكل.
وللرائي حالات تؤثر في الدلالة. فمن كان متعبًا قد تعبّر الصورة عن حاجته إلى راحة، ومن كان في أيام حارة قد تكون صدى لعطشه، ومن كان يشعر بجفاف في علاقاته قد تعبّر عن شوقه إلى الود. وللطالب والمسافر والأم وكبير السن مشاهد متباينة. وكل ذلك احتمالات نفسية عامة لا تُنزَّل على أحد بقطع، ولا يُبنى عليها توقع في الواقع.
ومن التفاصيل التي يراعيها المعبّرون صفاء الماء ولونه، وشكل الإناء، وطريقة حمله، وصوت جريانه إن سُمع. فالماء الصافي الهادئ أقرب إلى الراحة، والمعكّر قد يعبّر عن أفكار لم تصفُ بعد. ولا تدل هذه التفصيلات على رسالة ولا مرتبة لأحد، ولا يُراد منها تحديد هيئة الملائكة ولا عددهم، فذلك غيب لا يدخل في باب التعبير، والصورة كلها من نسج الخيال وما اعتاده النائم من مشاهد الماء.
ومن الزاوية العملية قد تدعو الصورة إلى العناية بشرب الماء بانتظام، وأخذ فترات راحة خلال اليوم، والجلوس قليلًا قرب منظر مائي أو أخضر إن تيسر. فالراحة الصغيرة تعيد للنفس توازنها. وليس هذا الحلم نصيحة طبية أو نفسية، ومن استمر معه القلق أو الأرق أو العطش الشديد فالأولى أن يتحدث مع مختص أو مع أحد أهله الذين يثق بهم.
ويحسن بالرائي ألا يبحث في صور الماء عن أخبار أو دلالات على أمور قادمة، فهي كثيرًا ما تأتي من شعور جسدي أو مشهد مألوف، ولا تنبئ بما سيكون. والأولى أن يأخذ منها معنى الراحة ويحمد الله عليه، ثم يمضي في يومه بعمل صالح وكلمة طيبة، وحسن الظن بالله يغني عن تتبع الرؤى. وقد يتغير شكل الماء في الحلم أكثر من مرة دون سبب ظاهر، وهذا من طبيعة الصور المنامية التي تتبدل سريعًا، فلا يُعتمد عليها في تقدير شيء.
وخلاصة القول أن الملاك الذي يحمل ماء في المنام صورة رمزية تدور حول الصفاء والارتواء والراحة. وهذا اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. فمن رأى ما يحب فليحمد الله ويحسن الظن به، ومن رأى ما يكره فليستعذ بالله من شرها ولا يحدّث بها أحدًا. وسؤال الله العافية والطمأنينة وصلاح الحال خير ما يُختم به.
