يتذكر بعض الناس من منامهم صورة هيئات ملائكية تتوزع في صفوف هادئة، فيحمل هذا المشهد في النفس إحساسًا بالرهبة اللطيفة والسكينة. وينبغي أن تُفهم الصورة في إطارها الرمزي الذهني، فلا تُعد خبرًا عن أمر غيبي ولا رسالة ولا بشارة. وتأتي هذه المعالجة بنبرة متواضعة، لأن الأحلام تتكوّن من الذاكرة والمشاعر والخيال، ولا يُجزم بأن ما يُرى فيها حقيقة قائمة خارج نفس النائم.
الصفوف في لغة الرموز تدل على الاجتماع والانتماء والوقوف مع الآخرين، وعلى شعور الإنسان بأنه جزء من جماعة منتظمة. وحين تقترن في الذهن بصورة الملائكة تصير رمزًا للجماعة الطاهرة الهادئة، فتتحول الصورة إلى تعبير عن حاجة النفس إلى الأنس والانتماء والطمأنينة بين الناس. وهي في الغالب انعكاس لحالة شعورية داخلية، لا وصف لهيئة الملائكة ولا لأحوالهم أو مراتبهم.
وفي أحاديث الرؤى الصحيحة ما يرشد إلى أدب التعامل مع ما يراه النائم. ومن ذلك ما رواه البخاري ومسلم بمعناه من أن من رأى ما يكره فليستعذ بالله من شرها ولا يحدّث بها أحدًا. ويبقى المعنى العام أن الرؤى لا تُبنى عليها المخاوف ولا الأمنيات، وأن المؤمن يقابلها بالطمأنينة وحسن الظن ولا يجعلها ميزانًا لشيء في حياته.
ذكر بعض المعبّرين أن الجماعات المرئية في المنام تُعتبر بحال أصحابها وهيئتها وما يظهر عليها من هدوء أو اضطراب، وأن الألفة والانتظام في الصورة أقرب إلى معاني الخير في الجملة. وذهب آخرون من المعبّرين في بعض ما نُقل عنهم إلى مراعاة القرائن قبل الجزم بمعنى الرمز. وتختلف عبارات أهل التعبير في ذلك، فلا يُجزم بتفسير محدد، ويبقى القدر الصحيح هو المعنى العام المطمئن دون تفصيل لا دليل عليه.
يختلف أثر الصورة بحسب المكان. فالصفوف في مكان رحب مضيء تدل على معنى الانفتاح والارتياح، وفي مكان مألوف قريب تدل على الطمأنينة في الأجواء المعتادة. وإن كانت الصفوف طويلة تمتد إلى بعيد فقد تعبّر عن سعة المعنى الذهني لا أكثر، وإن كانت قصيرة قريبة فهي أقرب إلى معنى الأنس. وإن ارتبطت بشعور بالخوف فالأقرب أن يكون الأمر قلقًا قديمًا تُعيد النفس تشكيله في الحلم.
وللرائي حالات تؤثر في المعنى. فمن كان غريبًا عن أهله أو بلده قد تعبّر الصورة عن شوقه إلى الجماعة والأنس، ومن كان يعمل منفردًا قد تعبّر عن حاجته إلى فريق متآلف، ومن كان في حيرة قد تعبّر عن رغبته في هدوء منظم. وللأم والطالب والموظف وكبير السن صور متباينة من ذلك. وكلها احتمالات نفسية عامة لا يُجزم بها لأحد ولا تُبنى عليها قرارات.
ومن التفاصيل التي تُراعى في عرف المعبّرين صمت الصفوف أو حركتها، وإضاءة المكان، ووضوح المشهد أو ضبابيته. فالمشهد الواضح الهادئ أقرب إلى الصفاء، والضبابي قد يعبّر عن معنى غير مكتمل في الذهن. ولا يُراد من هذه التفصيلات إخبار بشيء عن الملائكة أنفسهم، ولا بعدد أو ترتيب لهم، فهذا غيب لا يخوض فيه تفسير الرؤى، والصورة كلها بنت خيال النائم وتجاربه.
ومن الجانب العملي يمكن أن تذكّر الصورة بقيمة الجماعة الصالحة في حياة الإنسان، فيحسن بالرائي أن يصل رحمه ويحافظ على صحبة طيبة ويحضر مجالس الخير المعتادة. وليس هذا الحلم نصيحة طبية أو نفسية، ومن شعر بعزلة شديدة أو قلق مستمر فالأولى أن يتحدث مع مختص أو مع أحد أهله الثقات، فالكلام الصريح مع الناس أنفع من البحث عن المعنى في الصور.
ومما ينبغي التنبه له ألا يتحول الاهتمام بالأحلام إلى انشغال دائم، فالأحلام الهادئة كثيرًا ما تأتي لأسباب عادية كمشاهدة صورة أو سماع كلام أو التفكير في أمر قبل النوم. والأفضل أن يأخذ الرائي من الصورة معنى السكينة العامة ويدعها عند ذلك. فالقلب المطمئن بذكر الله وبالعمل الصالح لا يحتاج إلى دليل من المنام ليطمئن. ولا بأس أن يذكر الرائي ربه عند استيقاظه وأن يسأله الخير والعافية، ثم يشتغل بما ينفعه من عمل وصلة رحم وكلمة طيبة.
وخلاصة القول أن الملائكة في صفوف في المنام صورة رمزية تدور حول الألفة والانتماء والسكينة والانتظام. وهذا كله اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. فمن رأى ما يحب فليحمد الله وليحسن الظن به، ومن رأى ما يكره فليلتزم ما ورد من الاستعاذة وعدم التحديث بها. وسؤال الله الثبات والطمأنينة وصلاح الحال خير ما يُختم به.
