الرؤيا في المنام لغة رمزية تتكون من صور مألوفة وأخرى غريبة، وتفسيرها اجتهاد بشري لا يبلغ درجة اليقين. حين تظهر صورة الملاك في منام امرأة متزوجة، فالأقرب أن تُقرأ بوصفها صورة ذهنية تحمل معاني اللطف والنور والطمأنينة. وليس من الإنصاف أن يُفهم من ذلك أنها رأت أمرًا غيبيًا أو تلقت خبرًا من عالم الغيب، فهذا لا يعلمه إلا الله. وما يأتي في هذه الصفحات قراءة رمزية هادئة تُقرأ بحذر وتواضع.
في كتب التعبير ترتبط معاني النور والبياض واللطف بالصفاء والسكينة، وتُقرأ الصورة الجميلة ذات الهيئة الهادئة على أنها تعبير عن حاجة النفس إلى الأمان. والملاك في المخيلة الإنسانية يقترن بالخير والرحمة والنقاء، ولذلك قد يستدعيه الذهن حين يبحث صاحبه عن شعور بالارتياح. فالصورة قد تكون انعكاسًا لما استقر في الوجدان من محبة للخير وتعظيم له. ولا يُجزم بأكثر من ذلك، فالرموز تتفاوت دلالتها بتفاوت أحوال الرائين وما يحيط بهم.
ومما يعين على حسن فهم هذه الصورة أن يُعاد النظر فيها بروية بعد الاستيقاظ، فالانطباع الأول قد يتغير مع الوقت. وكل ما يُذكر هنا اجتهاد عام يدور حول المعاني النفسية والأخلاقية، وليس تفسيرًا قاطعًا لأي مشهد. وورد في الحديث الصحيح بمعناه أن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، متفق عليه. وليس في هذا الحديث ما يجعل كل صورة تُرى في المنام بشارة بشيء محدد.
ذكر بعض المعبّرين في أبواب الرؤى أن الصور الحسنة الهادئة تدل في الغالب على معان حسنة، وأن التفسير يتبع حال الرائي وما يقترن بالمنام من تفاصيل. وذهب آخرون من المعبّرين في بعض ما نُقل عنهم إلى أن دلالة الرمز تتبدل بتبدل السياق، وأن للرائي نفسه نصيبًا في فهم ما يحيط به. وتختلف عبارات المعبّرين في هذا الباب، ولا يوجد قول واحد متفق عليه في هذه الصورة تحديدًا. لذلك تبقى هذه الأقوال مادة للتأمل لا نتائج قاطعة.
تختلف دلالة الصورة في منام المتزوجة بحسب ما يحيط بها من تفاصيل: هل كانت في البيت أم في مكان مفتوح، وهل شعرت بالراحة أم بالدهشة، وهل كان المشهد ساكنًا أم متحركًا. والشعور المصاحب في الحلم أهم من الصورة ذاتها، فالارتياح أقرب إلى معاني السكينة، والتهيّب أقرب إلى حاجة النفس إلى الاطمئنان. ويُنظر كذلك إلى ما كان يشغل البال في الأيام السابقة من انشغال بالأسرة وأعباء يومية. وقد تكون الصورة صدى لتعب المسؤوليات ورغبة في وقت هادئ.
المرأة المتزوجة تجمع في يومها أدوارًا كثيرة، فهي زوجة وأم وربة بيت، وقد تكون موظفة أيضًا. وقد تحمل الصورة عندها معنى الحاجة إلى الدعم المعنوي والتقدير، أو الرغبة في أن يسود بيتها هدوء ولطف. ويمكن أن تكون تعبيرًا عن الامتنان لنعم قائمة، أو عن حسن ظن بالله في شؤون الأسرة. وكل هذا قراءة رمزية عامة قد تصدق على بعض الرائيات وقد لا تصدق على غيرهن.
ومن التفاصيل التي يُعتنى بها في التعبير: هل كان الملاك صامتًا أم متكلمًا، وهل كان قريبًا أم بعيدًا، وهل رافقه ضوء هادئ. الصمت واللين يرجحان معنى السكينة، والكلام الهادئ يرجح معنى الطمأنينة، أما الغموض فيبقى مفتوحًا للتأويل. ولا يُبنى على كلمة سُمعت في المنام قرار في الواقع، فالأقوال في الحلم صور لا أوامر. وإذا غابت التفاصيل عن الذاكرة فلا حاجة إلى محاولة استرجاعها بإلحاح.
ومن الناحية النفسية، تعكس الأحلام كثيرًا مما يشغل الذهن في اليقظة من أفكار وصور وقراءات وأحاديث. وقد تظهر صورة لطيفة بعد يوم مرهق أو بعد حديث عن الخير والإيمان، فيتشكل منها مشهد مريح. وهذا الكلام ليس نصيحة طبية ولا نفسية، ولا يغني عن استشارة مختص. وإذا رافق المرأة قلق مستمر أو أرق يطول فالحديث مع مختص أو مع أحد الأهل الموثوقين خطوة طيبة.
ويحسن بمن رأت صورة جميلة أن تحمد الله على سلامة قلبها، وأن تحسن الظن بربها، وألا تبني على الرؤيا توقعات أو مخاوف. وورد في الحديث الصحيح بمعناه أن من رأى ما يحب فلا يحدّث به إلا من يحب، متفق عليه، وهذا من الأدب. أما الإكثار من السؤال عن كل صورة فيورث انشغالًا لا حاجة إليه. والانصراف إلى الأعمال النافعة في البيت والأسرة أنفع من التفتيش الطويل في المنامات.
هذه القراءة اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا تُعد خبرًا عن الغيب، والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. والدعاء أن يرزق الله كل بيت سكينة ومودة ورحمة، وأن يحفظ القلوب بالطمأنينة. ويبقى حسن الظن بالله أصلًا يستقر عليه القلب أيًّا كانت الرؤى. والله أعلم.
