حين يرى النائم ملاكًا يبتعد عنه في الحلم فقد يستيقظ وفي نفسه شيء من الأسى أو الحنين إلى المشهد الذي انقضى. وهذا الإحساس مفهوم، فالإنسان يتعلق بالصور اللطيفة حتى وهي في المنام. غير أن الابتعاد في الحلم حركة ذهنية كسائر الحركات، لا تدل على فقدان شيء ولا على غضب ولا على خبر. وما يلي قراءة رمزية محتاطة، تتأمل الابتعاد بوصفه تغيرًا في المشهد لا أكثر.
في الرمزية العامة يعبّر الابتعاد عن الانتقال والتحول وانقضاء الحال، وقد يعبّر عن حاجة إلى مسافة هادئة بعد قرب طويل. فإذا ظهر الابتعاد في صورة يقترن بها اللطف في الوجدان، فقد يقرؤه المعبّر انعكاسًا لشعور الرائي بأن مرحلة ما تتبدل، أو أن شيئًا من الاطمئنان يحتاج إلى أن يجده من داخله لا من خارجه. وليس في ذلك ما يدل على نقص أو خسارة. وهو معنى شعوري عام لا يتعدى الرمز.
وقد قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (سورة الشرح، الآيتان 5 و6). وفي الآيتين ما يذكّر بأن النفس لا ينبغي أن تستسلم للحزن عند كل تبدل في الأحوال، وأن حسن الظن بالله باب سعة. وهذا ربط عام بمعنى الرجاء، ولا يُراد به أن يكون تفسيرًا لهذا الحلم ولا وعدًا يُنزَّل على الرائي. فالقرآن في بابه، والحلم صورة ذهنية تُقرأ بحذر وتواضع.
ذكر بعض المعبّرين في كتب التعبير أن الرموز المتحركة في المنام من إقبال وإدبار تُنظر بحسب القرائن وحال الرائي، فلا يُجعل الإدبار في ذاته علامة سوء. وذُكر عن بعض المعبّرين في بعض ما نُقل عنهم أن للمشاهد المتحركة وجوهًا متعددة تختلف بالأحوال، ولم يتفق المعبّرون على قاعدة. ولذلك تُقرأ هذه النقول بحذر شديد، وتُعدّ آراء متفاوتة لا يقين فيها ولا ترتيب لأمر عليها.
يتغير المعنى بحسب كيفية الابتعاد. فإن كان الملاك يبتعد ببطء وسكينة وبقيت صورته مريحة مال التأويل إلى انقضاء مرحلة بسلام، وإن كان يبتعد وسط غموض فقد يعبّر عن تساؤلات لم تُحسم في نفس الرائي. وإن ظل الضوء حاضرًا بعد الابتعاد فهو أقرب إلى بقاء الأثر الطيب في النفس. وإن اختفى المشهد سريعًا فقد يكون ذلك من طبيعة تلاشي الأحلام عند الاستيقاظ، ولا يحمل دلالة خاصة.
وقد يختلف الفهم باختلاف الرائي. فمن انتقل حديثًا من مكان إلى آخر قد يرى الابتعاد صدى لتحول حياته، ومن أنهى مرحلة دراسية أو عملية قد يراه أثرًا لانتقاله من حال إلى حال. وقد تقرؤه امرأة اعتادت رعاية الآخرين رغبة في أن تعتمد على نفسها قليلًا، ويقرؤه شاب مرتبك تعبيرًا عن حاجته إلى أن يخطو بمفرده. وكلها احتمالات لا يُجزم بأحدها، فصاحب الحلم أعلم بما يمر به من أحوال.
ومن التفاصيل المفيدة في التأمل: هل نظر الملاك إلى الرائي قبل أن يبتعد، وهل كان الابتعاد هادئًا أم مفاجئًا، وهل شعر الرائي بالحزن أم بالرضا، وهل ظل في المشهد شيء من الضوء أو الصوت. ولا يلزم استرجاع هذه التفاصيل جميعًا، فالنسيان طبيعي. ومن الأولى أن يُنظر إلى الأثر العام عند الاستيقاظ. فإن كان إحساس سكينة وإن امتزج بقليل من الحنين فذلك طبيعي لا يستدعي قلقًا.
وفي الجانب العملي والنفسي قد يكون الحلم أثرًا لتغيرات عاشها الرائي أو لمشاعر وداع صغيرة تتعلق بأمر مضى. ومما ينفع أن يمنح الإنسان نفسه وقتًا للتأقلم مع التغيرات، وأن يتحدث عن مشاعره مع من يثق به، وأن يحافظ على روتين نوم هادئ. وهذا كلام عام وليس نصيحة طبية ولا نفسية. ومن استمر حزنه أو قلقه مدة طويلة فالأنسب أن يتحدث مع مختص أو أحد الأهل.
وليس من الحسن أن يُحمَّل الحلم أكثر مما يحتمل. فالأحلام في طبيعتها مشاهد تأتي وتذهب، ولا يلزم أن يُفتَّش عن سبب لكل حركة فيها، فكم من مشهد في المنام انتهى بلا مقدمة ولا خاتمة. ومن الإنصاف للنفس ألا تُحمَّل عناء تأويل كل ما يمر بها. وقد يكون في هذا الفهم راحة للرائي، فلا يشغل نفسه بما ذهب من الصورة، بل يبقي في قلبه ما تركته من أثر طيب. وإن تكرر المشهد فقد يكون ذلك أثرًا لانشغال الذهن بفكرة التحول، ويفيد تخفيف التفكير فيها قبل النوم.
وخلاصة المعنى أن الملاك الذي يبتعد في الحلم يُقرأ رمزًا خياليًا لتحول في المشاعر وانقضاء حال، وليس دليلًا على فقدان شيء ولا غضب ولا رسالة ولا إنذار. وكل ما سبق اجتهاد بشري ظني يحتمل الخطأ والصواب، ولا يغني عن حسن الظن بالله. والدعاء أن يرزق الله الجميع طمأنينة تثبت في كل حال. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده.
