قد يتذكر النائم مشهدًا لهيئة ملائكية هادئة تبتسم له ثم تغيب عن المشهد بهدوء، فيستيقظ بمزيج من الدفء والحنين. وهذه الصورة تُحمل على أنها صورة ذهنية رمزية تتعلق بمعاني اللطف العابر والسكينة والحنين، وليست إخبارًا بأمر غيبي، ولا رسالة، ولا بشارة. والغياب في الحلم صورة ذهنية لا تحمل معنى خفيًّا ولا تدل على شيء في الواقع. وتُقرأ بنبرة متواضعة، لأن الأحلام تتكوّن من الذاكرة والمشاعر والخيال.
الابتسامة في لغة الرموز تدل على القبول والود والسرور الصغير، والغياب بعدها يدل في الصور الذهنية على سرعة زوال المشاهد في الأحلام وعلى طبيعة اللطف الذي يمر خفيفًا ثم يبقى أثره. وحين تجتمع الصورتان مع هيئة ملائكية في الذهن مالت الدلالة إلى لطف لا يُمسك ولا يُطلب، فتصير الصورة تعبيرًا عن حنين هادئ إلى أوقات صافية تمر سريعًا. وقد تكون صدى لابتسامة لقيها الرائي في يومه، أو لشعور بأن الجمال لا يدوم. ولا يُراد منها وصف لأحوال الملائكة.
ومما يُستحضر في هذا الباب ما ورد في الحديث الصحيح بمعناه أن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، متفق عليه، وفيه بيان لمكانة الرؤى في الجملة. وليس فيه ما يربط الغياب أو الابتسامة بشيء في الواقع. ويُذكر أيضًا أن من رأى ما يحب فلا يحدّث به إلا من يحب، وهذا أدب عام يحفظ للنفس هدوءها ويبعدها عن التأويل المتعجل والمباهاة.
ذكر بعض المعبّرين أن ما يظهر في المنام ثم يغيب يُعتبر بحال الرائي وما تركه فيه من أثر، وأن الابتسامة الهادئة أقرب إلى معاني الألفة. وذهب آخرون من المعبّرين في بعض ما نُقل عنهم إلى مراعاة القرائن وحال الرائي قبل الجزم بدلالة. وتتباين عبارات أهل التعبير في ذلك، فلا يُقطع بتفسير واحد. ويكتفي الحذر بالمعاني العامة كاللطف والحنين، ثم يترك ما وراء ذلك للظن الذي قد يخطئ.
يتغير المعنى بتغير السياق. فإن كان الغياب هادئًا ناعمًا كالتلاشي في الضوء فالصورة أقرب إلى سكينة الوداع اللطيف، وإن كان مفاجئًا فهي أقرب إلى شعور بسرعة مرور الأشياء. وإن بقي أثر دافئ في النفس بعد الاستيقاظ فالمعنى أقرب إلى الصفاء، وإن بقي شعور بالفقد فقد تعبّر الصورة عن حنين إلى أمر مضى. ولا يُبنى على ذلك شيء من التوقع، فالسياق الشعوري أبلغ من الشكل.
وللرائي حالات تؤثر في الدلالة. فمن كان مشغولًا قد تعبّر الصورة عن حاجته إلى التمهل وتذوق الأوقات الجميلة، ومن كان يمر بتغيير في حياته قد تعبّر عن شعور بأن الأمور تتبدل، ومن كان يحنّ إلى الماضي قد تعبّر عن اشتياقه. وللطالب والمغترب والأم وكبير السن مشاهد متباينة. وكل ذلك احتمالات نفسية عامة لا تُنزَّل على أحد بقطع، ولا يُبنى عليها توقع في الواقع.
ومن التفاصيل التي يراعيها المعبّرون نعومة الابتسامة، وطريقة الغياب، وبقاء الضوء بعده أو انطفاؤه، وإحساس الرائي في آخر المشهد من هدوء أو حسرة. فالمشهد الدافئ الهادئ أقرب إلى الراحة، والذي ينتهي بإحساس بالفقد قد يعبّر عن حنين. ولا تدل هذه التفصيلات على رسالة ولا مرتبة لأحد، ولا يُراد منها تحديد هيئة الملائكة ولا عددهم، فذلك غيب لا يدخل في باب التعبير، والصورة من نسج الخيال.
ومن الزاوية العملية قد تدعو الصورة إلى تذوق الأوقات الطيبة حين تأتي، وعدم تعليق السعادة بدوام شيء محدد، والاحتفاظ بأثر اللطف في الكلام والمعاملة. فالقلب الذي يرضى بما يتيسر يهدأ. وليس هذا الحلم نصيحة طبية أو نفسية، ومن استمر معه الحزن أو القلق أو الأرق فالأولى أن يتحدث مع مختص أو مع أحد أهله الذين يثق بهم، فالكلام الصريح أنفع من البحث في الصور.
ويحسن بالرائي ألا يطيل التفكير في سبب الغياب أو يتتبع أثره، فصور الأحلام تظهر وتختفي بلا قاعدة، وهذا من طبيعتها ولا يدل على شيء. والأولى أن يأخذ منها معنى الابتسامة اللطيفة ويحمد الله عليه، ثم يمضي في يومه بعمل صالح وكلمة طيبة. وحسن الظن بالله يغني عن تتبع كل صورة.
وخلاصة القول أن الملاك الذي يبتسم ثم يغيب في المنام صورة رمزية تدور حول اللطف العابر والحنين والسكينة. وهذا اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. فمن رأى ما يحب فليحمد الله ويحسن الظن به، ومن رأى ما يكره فليستعذ بالله من شرها ولا يحدّث بها أحدًا. وسؤال الله العافية والطمأنينة وصلاح الحال خير ما يُختم به.
