إذا رأى النائم ملاكًا يبتسم له شخصيًا فقد يستيقظ وفي نفسه شعور خاص بالقبول والدفء، وربما بقيت ابتسامة المشهد في ذهنه طويلًا. والابتسامة الموجهة تبدو في الحلم أقرب إلى الحوار الصامت، ولذلك تترك أثرًا جميلًا. غير أن الصورة رمز ذهني لا يُقرأ كأنه خبر عن حقيقة غيبية ولا كرسالة ولا بشارة. وما يلي قراءة رمزية هادئة محتاطة، تتأمل معنى الود والقبول داخل المشهد دون جزم.
في الرمزية العامة ترتبط الابتسامة الموجهة بالقبول والتقدير والاطمئنان إلى أن الإنسان مرحَّب به كما هو. وإذا صدرت من صورة يقترن بها اللطف والأمان في الوجدان، فقد يقرأ المعبّر ذلك تعبيرًا عن حاجة الرائي إلى أن يشعر بالرضا عن نفسه، أو عن رغبة في كلمة طيبة وتقدير بعد تعب. وقد تعبّر عن صلح داخلي مع الذات. وكل هذا تأويل شعوري عام لا يتعدى الرمز، ولا يخبر بأمر يقع لاحقًا ولا يحمل قولًا فاصلًا في شأن أحد.
وقال الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ﴾ (سورة آل عمران، الآية 159). وفي الآية ما يذكّر بقيمة اللين والرحمة في معاملة الناس، وبأن لطف الخلق من أثر رحمة الله. وهذا ربط عام بمعنى اللطف، ولا يُراد به أن يكون تفسيرًا لهذا الحلم ولا إسقاطًا عليه. فالآية في موضعها من القرآن، والحلم صورة ذهنية تُقرأ بتواضع، ولا يُجعل منها شهادة للرائي بشيء.
ذكر بعض المعبّرين في كتب التعبير أن تعابير الوجوه في المنام تُعتبر بحال الرائي وما يحيط بها من قرائن، فقد يختلف معنى الابتسامة بين مشهد وآخر. وذُكر عن بعض المعبّرين في بعض ما نُقل عنهم أن البشاشة في الرؤيا تميل عند بعض المعبّرين إلى معاني الانشراح، وخالفهم آخرون في التفاصيل. ولذلك تُقرأ هذه النقول قراءة محتاطة، وتُعدّ آراء متفاوتة لا يقين فيها، ولا يُبنى عليها خبر عن الرائي ولا عن عمله.
يتغير المعنى بتغير هيئة الابتسامة والموقف. فإن كانت هادئة صافية مال التأويل إلى القبول والرضا، وإن كانت مصحوبة بنظرة طويلة فقد تتصل بالرغبة في الاطمئنان. وإن كانت من بعيد فقد تعبّر عن أنس خفيف، وإن كانت من قريب فقد ترتبط بحاجة إلى حضور دافئ. وإن رافقها ضوء لطيف فهي أقرب إلى الانشراح، والمشهد الكلي أصدق من تفصيل مفرد، ولا ينبغي أن يُنتزع من الابتسامة ما يثقل الرائي.
وقد يختلف الفهم باختلاف الرائي. فمن كان يشعر بقلة التقدير قد يرى الصورة تعويضًا نفسيًا، ومن كان في مرحلة نجاح أو راحة قد يراها استمرارًا لرضاه. وقد تقرؤها امرأة تبذل كثيرًا ولا تسمع كلمة شكر رغبة في تقدير، ويقرؤها شاب يخطو في طريق جديد شوقًا إلى تشجيع. وهذه احتمالات لا يُجزم بأحدها، فصاحب الحلم أدرى بحاله، وهو الأقدر على أن يعرف أي هذه المعاني أقرب إلى ما يشعر به.
ومن التفاصيل التي تساعد على التأمل: هل كانت الابتسامة خفيفة أم واسعة، وهل كان الوجه واضحًا، وهل شعر الرائي بالارتياح أم بالحرج، وهل ردّ الابتسامة. ولا يلزم أن يتذكر كل ذلك، فالنسيان طبيعي بعد الاستيقاظ. والأهم هو الإحساس العام الذي بقي. فإن كان إحساس دفء وطمأنينة فهو أنفع ما يؤخذ من الحلم، وما سواه لا يستوجب بحثًا ولا يُلزم الرائي بشيء.
وفي الجانب العملي والنفسي قد يكون الحلم أثرًا لحاجة إلى التقدير أو لموقف ودود في اليقظة. ومما ينفع أن يعامل الإنسان نفسه بلطف ويشكر ما أنجزه، وأن يقابل من حوله بوجه بشوش، وأن يخفف الضغط قبل النوم. وهذا كلام عام وليس نصيحة طبية ولا نفسية. ومن استمر شعوره بالنقص أو القلق أو اضطرب نومه فالأنسب أن يتحدث مع مختص أو أحد الأهل.
ولا حاجة إلى تحميل الحلم أكثر مما يحتمل. فالابتسامة في الأحلام قد تكون جزءًا من مشهد يؤلفه الذهن، وليست بالضرورة حاملة لمعنى خاص أو خطاب موجه. والتأمل المعتدل في الصورة يفيد، والتهويل لا ينفع. ومن الأحسن أن يأخذ الرائي منها معنى الود والقبول ثم يواصل يومه بنفس مطمئنة. وإن تكرر الحلم فلا يلزم أن يحمل التكرار دلالة إضافية، فقد يكون أثرًا لحاجة الذهن إلى الدفء.
وخلاصة المعنى أن الملاك الذي يبتسم للرائي يُقرأ رمزًا خياليًا للود والقبول وراحة النفس، وليس وصفًا حقيقيًا للملائكة ولا رسالة ولا بشارة ولا إنذارًا ولا شهادة على حال الرائي. وكل ما سبق اجتهاد بشري ظني يحتمل الخطأ والصواب، ولا يغني عن حسن الظن بالله. والدعاء أن يرزق الله الجميع رضا وطمأنينة وقلوبًا طيبة. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده.
