قد يتذكر النائم مشهدًا لهيئة ملائكية هادئة تتحول شيئًا فشيئًا إلى ضوء ناعم يملأ المكان، فيستيقظ وفي نفسه صفاء وهدوء. وهذه الصورة تُحمل على أنها صورة ذهنية رمزية تتعلق بمعاني الصفاء والنقاء والسكينة، وليست إخبارًا بأمر غيبي، ولا رسالة، ولا بشارة. والتحول في الحلم صورة ذهنية لا تحمل معنى خفيًّا ولا تدل على شيء في الواقع. وتُقرأ بنبرة متواضعة، لأن الأحلام تتكوّن من الذاكرة والمشاعر والخيال.
الضوء في لغة الرموز يدل على الوضوح والصفاء والدفء الذي يبدد العتمة بلا ضجيج. والتحول في الصور الذهنية يدل على سيولة مشاهد الأحلام وانتقال الصورة من شكل إلى آخر دون قاعدة ثابتة. وحين تجتمع الصورتان مالت الدلالة إلى صفاء ينتشر في النفس ويعمّ المكان، فتصير الصورة تعبيرًا عن رغبة في هدوء شامل لا يُرى له مصدر محدد. وقد تكون صدى لمشهد ضوء رآه الرائي أو لانتقال ناعم بين مشاهد ذهنية. ولا يُراد منها وصف لأحوال الملائكة ولا لهيئتهم.
ويحسن بالرائي أن يتعامل مع ما رآه بهدوء، دون استعجال في البحث عن معنى أو تهويل لما بقي في نفسه. ويبقى الإيمان بالملائكة قائمًا بما أخبر به الوحي، لا بما يراه النائم في منامه. والله أعلم بحقيقة ما يراه الناس في منامهم. ويُذكر كذلك ما ورد في الحديث الصحيح بمعناه من أن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، متفق عليه، لبيان مكانة الرؤى في الجملة لا للجزم بأن هذه الصورة منها.
ذكر بعض المعبّرين أن الأنوار في المنام تُعتبر بحالها من صفاء أو خفوت، وأن الضوء الهادئ المنتشر أقرب إلى معاني الانفراج والوضوح في الجملة. وذهب آخرون من المعبّرين في بعض ما نُقل عنهم إلى مراعاة القرائن وحال الرائي قبل الجزم بدلالة. وتتباين عبارات أهل التعبير في ذلك، فلا يُقطع بتفسير واحد. ويكتفي الحذر بالمعاني العامة كالوضوح والصفاء، ثم يترك ما وراء ذلك للظن الذي قد يخطئ.
يتغير المعنى بتغير السياق. فإن كان الضوء دافئًا ناعمًا فالصورة أقرب إلى معنى الراحة والسكينة، وإن كان شديدًا ساطعًا فقد تعبّر عن رغبة في وضوح تام أو عن إجهاد في الذهن. وإن كان التحول بطيئًا هادئًا فالمعنى أقرب إلى الصفاء، وإن كان مفاجئًا فهو أقرب إلى سرعة انتقال المشاهد في الحلم. ولا يُبنى على ذلك توقع بشيء، فالسياق الشعوري أبلغ من الشكل.
وللرائي حالات تؤثر في الدلالة. فمن كان في حيرة قد تعبّر الصورة عن حاجته إلى وضوح، ومن كان مرهقًا قد تعبّر عن رغبته في صفاء ذهني، ومن كان يحب التأمل قد تكون الصورة امتدادًا لعادته. وللطالب والمسافر والأم وكبير السن مشاهد متباينة. وكل ذلك احتمالات نفسية عامة لا تُنزَّل على أحد بقطع، ولا يُبنى عليها توقع في الواقع.
ومن التفاصيل التي يراعيها المعبّرون لون الضوء ودرجته، وسرعة التحول، وما بقي من المشهد بعده، وإحساس الرائي في النهاية من هدوء أو فقد للصورة. فالمشهد الدافئ الهادئ أقرب إلى الراحة، والمبهر المربك قد يعبّر عن توتر. ولا تدل هذه التفصيلات على رسالة ولا مرتبة لأحد، ولا يُراد منها تحديد هيئة الملائكة ولا عددهم ولا حقيقتهم، فذلك غيب لا يدخل في باب التعبير، والصورة كلها من نسج الخيال.
ومن الزاوية العملية قد تدعو الصورة إلى تهيئة جو من الضوء الهادئ في البيت، والتعرض للشمس الخفيفة في النهار، وتخفيف الشاشات المضيئة قبل النوم، وتخصيص وقت للتأمل الهادئ. فالضوء المعتدل يرفق بالنفس عند كثير من الناس. وليس هذا الحلم نصيحة طبية أو نفسية، ومن استمر معه القلق أو الأرق أو الصداع المتكرر فالأولى أن يتحدث مع مختص أو مع أحد أهله الذين يثق بهم.
ويحسن بالرائي ألا يطيل البحث عن معنى للتحول أو عن سر الضوء، فصور الأحلام تتبدل بلا قاعدة، وهذا من طبيعتها ولا يدل على شيء. والأولى أن يأخذ منها معنى الصفاء ويحمد الله عليه، ثم يمضي في يومه بعمل صالح وكلمة طيبة. وحسن الظن بالله والإكثار من الذكر هو الأصل الذي يطمئن القلب.
وخلاصة القول أن تحول الملاك إلى ضوء في المنام صورة رمزية تدور حول الصفاء والنقاء والسكينة. وهذا اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. فمن رأى ما يحب فليحمد الله ويحسن الظن به، ومن رأى ما يكره فليستعذ بالله من شرها ولا يحدّث بها أحدًا. وسؤال الله العافية والطمأنينة وصلاح الحال خير ما يُختم به.
