للمرأة التي تتحمل شؤون بيتها وأسرتها وحدها أحلام تتأثر بما تحمله من مسؤوليات ومشاعر. وحين تظهر صورة الملاك في منامها فالأولى أن تُقرأ قراءة رمزية هادئة، تدور حول الأمان والنور واللطف النفسي. وليس من الإنصاف أن تُفهم الصورة على أنها خبر غيبي أو رسالة، فذلك لا يعلمه إلا الله. والتفسير في هذه الصفحة اجتهاد بشري يُقدَّم بتواضع.
يقترن الملاك في الأذهان بالنقاء والرحمة والعطف، ولذلك يُقرأ ظهوره الرمزي في المنام على أنه ميل النفس إلى ما يطمئنها. وقد تعبّر الصورة عن حاجة إلى سند معنوي ودعم يخفف ثقل الأيام. وقد تكون أيضًا شكلًا من أشكال التماس الراحة الذي يتخذه العقل حين يبحث عن هدوء. وتختلف الدلالة من رائية إلى أخرى، فلا تُقصر على معنى واحد.
ومما يحسن استحضاره في معنى السكينة قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (سورة الفتح، الآية 4). وفي هذا تذكير بأن السكينة منّة من الله يهبها لقلوب عباده، وليست في ذاتها صورة تُرى في النوم. ولا تُجعل الآية تأويلًا لحلم محدد، وإنما يُستأنس بها في معنى الطمأنينة. وورد في الحديث الصحيح بمعناه أن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، متفق عليه، دون أن يلزم من ذلك تفسير كل صورة.
ذكر بعض المعبّرين أن الصورة الحسنة الهادئة تدل على معنى حسن في الغالب، وأن العبرة بما يقترن بها من أحوال. وذهب آخرون من المعبّرين في بعض ما نُقل عنهم إلى أن التعبير يتبع حال الرائي، وأن الرمز الواحد قد يختلف أثره من شخص إلى آخر. وقد اختلف المعبّرون في الصور الغيبية فلم تجتمع كلمتهم على تفصيل. لذلك تُذكر هذه النقول للتأمل وحسب.
وللسياق دور كبير: هل كانت الرائية في بيتها أم في طريق أم في مكان غير مألوف، وهل شعرت بالراحة أم بالحنين أم بالدهشة. والشعور الذي يبقى بعد الاستيقاظ دليل على ما تعبّر عنه الصورة نفسيًا. فإذا بقي أثر من الهدوء فقد يرمز ذلك إلى حاجة قديمة إلى السكينة، وإذا بقيت الدهشة فهي انشغال بما جدّ في الأيام. ويُترك التقدير للرائية فهي أعلم بحالها.
والمرأة التي تدبّر أمور أسرتها بنفسها قد تحتاج في أحلامها إلى صورة تمنحها شعورًا بأنها ليست وحدها. وقد تعبّر الصورة عن امتنان لما بقي من خير، أو عن رجاء في رحمة الله، أو عن شوق إلى ركن هادئ. وليس في ذلك كله إخبار عن أمر معيّن أو وعد بشيء. وهي قراءة عامة لا تُنزَّل على أحد.
ومن التفاصيل التي يُنظر فيها: هل كان الملاك قريبًا أم بعيدًا، وهل ساد الصمت أم الكلام اللطيف، وهل كان الضوء هادئًا. القرب الهادئ يُقرأ أنسًا، والبعد قد يُقرأ رجاءً، والصمت يُقرأ طمأنينة. وما يُسمع في الحلم من عبارات لا يُبنى عليه قرار في الواقع، فهو صورة لا أمر. وإن نُسيت التفاصيل فلا يضر ذلك المعنى العام.
ومن الجانب النفسي، يفيد أن تحرص الرائية على راحتها وعلى صلتها بأهلها وجيرانها وصديقاتها الطيبات. فالأنس بالناس الثقات يخفف الحمل، والإكثار من الذكر والعبادة الهادئة يبعث على الارتياح. وهذا الكلام ليس نصيحة طبية أو نفسية، وإذا استمر الحزن أو القلق أو اضطرب النوم فالحديث مع مختص أو أحد الأهل خطوة مفيدة. وفي التخفيف على النفس والرفق بها خير عظيم، وهو أنفع من الإلحاح على تفسير الأحلام.
ويحسن أن تحمد الرائية ربها على ما يُرى من خير، وأن تحدّث به من تحب فقط إن أرادت. وقد ورد في الحديث الصحيح بمعناه أن من رأى ما يحب فلا يحدّث به إلا من يحب، متفق عليه. وهذا أدب يصون القلب من الأقاويل والتأويلات الكثيرة. والانشغال بالبر والأعمال الصالحة أبقى للنفس من تتبع الأحلام. وليس على الرائية أن تفسّر كل ما تراه، فبعض الصور يمرّ ويترك أثرًا طيبًا ثم يُنسى، وهذا من رحمة الله بالقلوب. وإذا أرادت أن تنتفع بذلك الأثر فلتجعله دافعًا إلى ترتيب بيتها بهدوء، والعناية بصحتها وراحتها، والتماس الرفقة التي تؤنسها. وهكذا تصير الصورة الرمزية طاقة هادئة لا عبئًا من التأويلات. ويكفي أن تبقى النية صافية والظن بالله حسنًا.
هذه القراءة اجتهاد بشري ظني لا يرقى إلى اليقين، ولا يُنسب إليها علم بالغيب، والغيب لا يعلمه إلا الله. والدعاء أن يمنح الله كل بيت سكينة ورعاية، وأن يرزق القلوب رضا وطمأنينة. ويبقى حسن الظن بالله أصلًا تستقر عليه النفوس. والله أعلم.
