قد يرى النائم في منامه ظهر كرسي، أي ذلك الجزء الذي يسند الجالس، فيتأمله أو يستند إليه أو يراه من بعيد، ثم يتساءل عن معنى هذه الصورة البسيطة. والرؤيا رمزية في أصلها وليست حرفية، فلا تدل على حدث بعينه، وإنما تعبّر عن معانٍ تتصل بالاستناد والجلوس والمكانة. ويتفاوت التفسير بحسب نوع الكرسي وحاله ومن يجلس عليه. وفيما يلي عرض هادئ لأبرز ما قيل في هذا الباب.
يرمز الظهر إلى السند والقوة وتحمل المسؤوليات، وظهر الكرسي هو الموضع الذي يستند إليه الإنسان ليرتاح ويثبت. فرؤيته قد تدل على رغبة الرائي في سند يعتمد عليه في عمله أو أسرته، أو على استقرار في مكانه ومنصبه. وقد تشير إلى حاجة إلى راحة بعد جهد طويل. وقد تعبّر كذلك عن مكانة أو مسؤولية يتولاها الرائي أو يتطلع إليها. وكل هذه احتمالات تتوقف على القرائن.
نُسب إلى ابن سيرين أن الكرسي في المنام يدل على المكانة والمنصب ومن يجلس عليه، وأن حاله من القوة أو الضعف يُقاس عليها حال صاحبه. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الجلوس على مقعد مرتفع يدل على علو في الشأن بحسب ما يليق بحال الرائي. غير أن آراء المفسرين تختلف في التفاصيل، ورؤية ظهر الكرسي بالتحديد من الرموز الأقل شيوعًا والأقل تناولًا في الكتب القديمة. فتبقى الدلالة احتمالًا، وتُقدَّم قرائن الحلم.
يتغير المعنى بتغير السياق. فإن كان الظهر متينًا مريحًا فالأقرب أنه يدل على استقرار وسند ثابت. وإن كان مكسورًا أو مائلًا فقد يشير إلى حاجة إلى ترميم جانب من الحياة أو إلى مراجعة سند اعتاد الرائي عليه. وإن كان الكرسي خاليًا فقد يعبّر عن منصب أو فرصة تنتظر من يشغلها. وإن كان فيه أحد جالس فقد يرتبط بذلك الشخص ومكانته في حياة الرائي.
إذا كانت الرائية عزباء فقد يدل المنام على تطلعها إلى استقرار في عمل أو بيت، وإلى سند يمنحها الطمأنينة. وقد يعبّر عن رغبتها في مكانة مهنية محترمة تتدرج إليها. وإن كانت متزوجة فقد يتصل بسند زوجها وأسرتها، أو بحاجتها إلى أوقات من الراحة، وقد يشير إلى تحسين شيء في بيتها. أما الحامل فقد يرمز الكرسي المريح عندها إلى حاجتها الفعلية إلى جلوس مريح ودعم لظهرها، فيحسن الاهتمام بالراحة.
وإن كان الرائي رجلًا فقد يدل المنام على منصبه في عمله وما يرجوه من استقرار أو ترقٍّ. وقد يشير عند صاحب المشروع إلى مكتبه ومسؤولياته وما يعتمد عليه فيها. وعند الطالب قد يعبّر عن حاجة إلى بيئة مريحة للمذاكرة. وكلما بدا الكرسي وظهره في الحلم مرتبًا ومتينًا كان المعنى إلى الاستقرار أقرب، وكلما بدا مهترئًا كان إلى الحاجة إلى التجديد أقرب.
ومن التفاصيل الدقيقة: نوع الكرسي، فالكرسي المكتبي يرتبط بالعمل والمسؤولية، والكرسي الخشبي القديم بالذكريات وبيت الأسرة، والكرسي المتحرك للراحة بالتنقل. ومنها لونه ومادته، فالجلد يوحي بالرسمية والمنصب، والقماش بالألفة والراحة. ومنها مكانه، فإن كان في البيت فالدلالة على الأمان الأسري، وإن كان في العمل فالدلالة على المكانة المهنية. وكذلك ما شعر به الرائي عند الاستناد.
وقد يعبّر المنام أيضًا عن حاجة بدنية فعلية، فمن يطيل الجلوس في عمله قد يرى في منامه ما يتصل بالكرسي وظهره لأن جسده يستحضر ما يعيشه. وفي هذه الحال لا يلزم أن يكون وراء الصورة معنى رمزي كبير. وإن كان الرائي يشكو من تعب في الظهر بسبب الجلوس فليراجع الطبيب، وليس المنام نصيحة طبية. ومن اعتنى بجلسته وحركته خفف عن جسده كثيرًا. ويحسن كذلك أن يقوم بين الحين والآخر ليتحرك قليلًا أثناء العمل الطويل، وأن يشرب الماء ويمنح عينيه استراحة قصيرة. فهذه العادات اليسيرة تعين على النشاط وصفاء الذهن، وتجعل الرائي أقدر على أداء مهامه بهدوء.
ومن الجانب العملي والنفسي، يمكن للرائي أن يتأمل الأسناد التي يعتمد عليها في حياته، وأن يسأل نفسه عما إذا كانت متينة أو تحتاج إلى عناية. ويستحسن أن ينظم بيئة عمله ومنزله بما يمنحه راحة واستقرارًا. وإن كان يتطلع إلى منصب فليعد له بالتأهيل والجد. ولا يتعلق قلبه بالمناصب فوق ما ينبغي، فالمكانة الحقيقية في حسن الخلق وإتقان العمل.
وخلاصة القول أن ما سبق اجتهاد بشري ظني، يحتمل الصواب والخطأ، ولا يغني عن النظر في الواقع. والأولى أن يحسن الرائي الظن بالله، وأن يدعوه بأن يبارك له في عمله ويمنحه الراحة والسند. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما الرؤيا إلا إشارة تحتمل أكثر من وجه. فليمض الرائي في يومه مطمئنًا، محسنًا العمل، حاضر القلب.
