حين يرى الإنسان في منامه ظهر صديقه، فقد يتساءل عما إذا كان في المشهد إشارة إلى حال الصداقة بينهما. والرؤيا رمزية في أصلها وليست حرفية، فهي تعبّر عادة عن مشاعر الرائي وعن ما يشغله من أمر العلاقات، ولا تخبر عن نوايا أحد. وقد يظهر الصديق في المنام ماشيًا أو واقفًا أو منشغلًا بعمل، وكل صورة لها دلالتها المحتملة. وفيما يلي عرض متزن لما قيل، مع التذكير بأن الاحتمالات تتعدد بحسب كل رائٍ.
يرمز الظهر إلى السند والقوة وتحمل المسؤوليات، والصديق الوفي من أهم الأسناد في حياة الإنسان. فرؤية ظهره قد تدل على شعور الرائي بأن له من يقف معه عند الحاجة، أو على اشتياقه إلى هذا الدعم. وقد تشير إلى إعجابه بثبات صديقه وبما يحمله من مسؤوليات. وقد تعبّر كذلك عن رغبة في تجديد صلة فترت بسبب انشغال الطرفين. وليس في المشهد ما يدل على سوء، فالأرجح أن يكون صدى لعلاقة قائمة.
نُسب إلى ابن سيرين أن الأصحاب في المنام يدلون على المودة والعون وعلى ما يجري بين الرائي وبينهم، وأن حالهم في الرؤيا يُقاس على حال العلاقة. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن رؤية الأخلاء تدل على الصلة بهم وعلى ما يتبادلونه من منافع. غير أن آراء المفسرين تختلف في التفاصيل، ورؤية ظهر الصديق خاصة من الرموز الأقل شيوعًا والأقل تناولًا في الكتب القديمة. ولذلك يُحمل ما يُقال على سبيل الاحتمال، ويُستأنس بما يحيط بالحلم من قرائن.
يتغير المعنى بتغير السياق. فإن كان الصديق يسير أمام الرائي بثقة فقد يدل على قدوة أو على خطوة يسبقه فيها في عمل أو دراسة. وإن كان واقفًا يعطي ظهره لمن حوله فقد يعبّر عن انشغاله أو حاجته إلى الخلوة. وإن كان يحمل حقيبة أو شيئًا ثقيلًا فقد يشير إلى أعباء يمر بها ويحتاج فيها إلى عون. وإن ناداه الرائي فلم يلتفت فقد يدل على اشتياق إلى لقائه أو إلى رد تأخر.
إذا كانت الرائية عزباء فقد يدل المنام على اعتمادها على صديقة مقربة في الرأي والمساندة، أو على التفكير في علاقات جديدة. وقد يعبّر عن اشتياقها لصحبة أيام الدراسة. وإن كانت متزوجة فقد يتصل بانشغالها عن صديقاتها بأعباء البيت مع حنين إلى لقائهن. أما الحامل فقد يرتبط بحاجتها إلى مؤانسة ومساندة نفسية في هذه المرحلة، وأن يكون حولها من يشاركها فرحتها وتخفيف همها.
وإن كان الرائي رجلًا فقد يدل المنام على رفقة مهنية أو دراسية أو شراكة يعتمد فيها على صاحبه. وقد يشير إلى انتظار رد أو موقف من صديق في أمر مشترك. وعند من انقطع عن أصدقائه بسبب السفر أو العمل قد يعبّر عن حنين إلى مجالسهم. وعند الشاب قد يعكس ميله إلى التحاق بأصحابه في خطوة جديدة، كعمل أو مشروع أو دراسة.
ومن التفاصيل الدقيقة: هل كان الصديق قديمًا أم جديدًا؟ فالقديم يرتبط بحنين وذكريات، والجديد بتعارف ما زال في بدايته. وهل كان المكان مألوفًا؟ فالمكان المألوف يدل على علاقة مستقرة، والمجهول على أمر لم تتضح معالمه. وهل ظهر الصديق مرتاحًا أو متعبًا؟ فالراحة تدل على أحوال طيبة، والتعب على حاجة إلى مساندة. وهل شعر الرائي بالسرور أم بالضيق عند رؤيته؟ فذلك من أهم القرائن.
وقد تكون الرؤيا تعبيرًا عن الحاجة إلى التواصل الإنساني الذي يضعف مع زحام الأيام، فالنفس تحن إلى من يشاركها الضحك والهم. ولهذا قد يظهر ظهر الصديق في المنام حين يطول الغياب أو يكثر الانشغال، فيذكّر الرائي بقيمة الصحبة. وليس في ذلك ما يدعو إلى القلق، فالأقرب أنه دعوة إلى إعادة وصل ما انقطع. وكلما كان الرائي مبادرًا بالسؤال والود زادت المودة ثباتًا.
ومن الناحية العملية والنفسية، يستحسن أن يبادر الرائي إلى رسالة أو اتصال بصديقه، فالسؤال عن الحال يجدد الود ويزيل الوحشة. وإن كان بينهما خلاف فليتحدث بهدوء وصدق دون لوم. وإن كان يشعر بالوحدة فليوسع دائرة علاقاته الطيبة وليشارك في أنشطة تجمعه بأشخاص يشاركونه اهتماماته. وإذا اشتد عليه الضيق فلا بأس بالتحدث إلى مختص.
وخلاصة القول أن ما سبق اجتهاد بشري ظني لا يبلغ اليقين، وقد يصيب وقد يخطئ. والأولى أن يحسن الرائي الظن بالله وبأصحابه، وأن يدعو الله أن يرزقه صحبة صالحة تعينه على الخير. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلا يُبنى على الرؤيا قطع صلة ولا اتهام أحد. فليحفظ الرائي ود أصدقائه، وليكن لهم عونًا في الشدة والرخاء.
