قد يرى النائم في منامه شخصًا من الخلف، فلا يتبين إلا ظهره وهو يمضي أو يقف، فيبقى في نفسه فضول لمعرفة من يكون وما معنى المشهد. والرؤيا رمزية في أصلها وليست حرفية، ولا تدل على حدث بعينه، بل تعكس غالبًا حال الرائي وما يشغل خاطره. ويتميز هذا المشهد بأن الرائي هو الناظر والطرف الآخر لا يواجهه، فتتجه الدلالات إلى معاني التطلع والتتبع والترقب. وفيما يلي عرض هادئ لأبرز ما قيل في ذلك، مع مراعاة أن الأحوال تتباين.
يرمز الظهر إلى السند والقوة وتحمل المسؤوليات، وحين يكون الظهر هو الجزء الظاهر من الشخص فكأن المنام يركز على جانب القوة والتحمل فيه دون وجهه وتعابيره. فقد يدل المشهد على إعجاب الرائي بصلابة شخص أو بمسؤولياته أو بطريقه الذي يسير فيه. وقد يدل على رغبة في اللحاق بمن سبقه في مجال ما، كالعلم أو العمل أو بناء الأسرة. وقد يعبّر أيضًا عن انتظار خبر أو جواب من جهة لا يراها الرائي بوضوح. ولا يعني ذلك أن في الأمر سرًا خفيًا، فالأرجح أنه تعبير نفسي عن التطلع.
نُسب إلى ابن سيرين أن من رأى إنسانًا من خلفه فإن ذلك يشير إلى ما يخفى من أمره أو ما لم يظهر بعد، وأن الأمور الخلفية تدل على ما يأتي بعد حين. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن رؤية الأشخاص من أدبارهم تدل على جهل بحالهم أو على أمر غير مكتمل المعالم. غير أن آراء المفسرين تتفاوت في هذه الصور، ورؤية الظهر من الخلف من الرموز الأقل شيوعًا والأقل تناولًا في الكتب القديمة. فيُنظر إليها بحذر، ويُقدَّم ما يظهر من قرائن الحلم على أي قاعدة عامة.
يؤثر السياق كثيرًا في المعنى. فإن كان الشخص الذي رآه الرائي يمشي في طريق واضح فالأقرب أن يدل على سعي ناجح ونموذج يقتدى به. وإن كان واقفًا في مكانه لا يتحرك فقد يدل على توقف أو انتظار في أمر ما. وإن كان الرائي يتبعه من مسافة فقد يعبّر عن رغبة في التعلم منه أو في إدراك ما وصل إليه. وإن حاول أن يناديه فلم يلتفت فقد يشير إلى أمنية بالتواصل مع شخص انشغل عنه.
إذا كانت الرائية عزباء فقد يدل المنام على تطلعها إلى مرحلة أو علاقة مقبلة، أو إلى نموذج امرأة ناجحة تتمنى أن تصل إلى مثل حالها. وقد يعبّر عن ترقب جواب في أمر يخص دراستها أو مستقبلها. وإن كانت متزوجة فقد يتصل بتأمل لشريك حياتها أو لأحد أفراد أسرتها وما يحمله من أعباء. أما الحامل فقد يكون المنام صورة لتفكيرها في الأمومة المقبلة ومن سبقها فيها. وعمومًا لا يُحمل الحلم على ما يقلق، فالتأويلات هنا أقرب إلى الاستشراف الهادئ.
وإن كان الرائي رجلًا فقد يرتبط المنام بطموحه في مجال يرى فيه من سبقه، أو بترقبه لقرار في عمله لم يتضح بعد. وقد يشير عند الشاب إلى حاجته إلى قدوة ومرشد يسير على خطاه. وعند من يمر بتجربة جديدة قد يدل على انتظار نتيجة أو موافقة. وكلما شعر الرائي بالاحترام تجاه من يراه من الخلف كان المعنى أقرب إلى التقدير والاقتداء، وكلما شعر بالحيرة كان أقرب إلى حاجة للوضوح.
ومن التفاصيل التي تعين على التقدير: هل عرف الرائي صاحب الظهر أم لا؟ فالمعروف يرتبط بعلاقة قائمة، والمجهول يرتبط بحال داخلية أو بأمر لم يتضح. وهل كان الشخص يحمل شيئًا على ظهره؟ فقد يشير ذلك إلى مسؤوليات يحملها، أو إلى عبء يود الرائي أن يعينه فيه. وهل كان اللباس مألوفًا أو غريبًا؟ وهل كان المكان مزدحمًا أم خاليًا؟ فكل ذلك قرائن تعين على وزن المعنى دون جزم.
ومن الناحية العملية والنفسية، قد يكون المنام دعوة إلى التفكير فيمن يستحق أن يتخذه الرائي قدوة، وفي الخطوات التي تقربه من هدفه. ويمكن أن يسأل نفسه عما يترقبه فعلًا، ثم يضع له خطة واقعية بدل البقاء في الانتظار. وإن كان يتطلع إلى لقاء شخص بعينه فليبادر إلى التواصل بلطف إن كان ذلك مناسبًا. ولا بأس بأن يتحدث مع من يثق به عما يشغل باله، فالتعبير يخفف التوتر.
وقد يتعلق الأمر أيضًا بحال الرائي حين يكثر التفكير في المستقبل، فالعقل يحوّل التطلع إلى صور لأشخاص يمضون أمامه. ولذلك فإن رؤية ظهر الغير ليست إشارة إلى مجهول بقدر ما هي انعكاس لسؤال داخلي عن الاتجاه. وكلما أدرك الرائي ما يريده من حياته خفّ هذا النوع من الصور في منامه. ويبقى الأفضل أن يتعامل مع المنام بخفة وهدوء دون أن يرهق نفسه بتتبع كل تفصيل.
وخلاصة القول أن ما تقدم اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يصلح أساسًا لقرار حاسم. والأولى أن يحسن الرائي الظن بالله، وأن يدعوه بأن يوفقه إلى ما فيه الخير وأن يهدي خطاه إلى الصواب. والغيب لا يعلمه إلا الله، ولا ينبغي أن تُحمَّل الرؤيا فوق ما تحتمل. فليبقَ الرائي مطمئنًا، متفائلًا بما هو آتٍ، محسنًا العمل في يومه.
