قد يرى الإنسان في منامه ظهرًا صلبًا كالجدار لا يلين ولا يتزحزح، فيتأمل ما يعنيه هذا المشهد القوي. والأصل أن الرؤيا رمز لا يؤخذ على ظاهره، وأن التشبيه بالجدار صورة شعورية تعبّر عن الصلابة والثبات. قد يكون الظهر ظهر الرائي نفسه أو ظهر شخص يعرفه أو ظهر شخص لا يعرفه. ويختلف المعنى بحسب إحساسه في الحلم، أهو أمان أم ثقل أم جمود. ولذلك يحسن أن ينظر إلى المشهد بهدوء وفي إطاره الكامل.
الظهر في عالم الرموز يرتبط بالسند والقوة والتحمّل، والجدار في الأذهان رمز للحماية والحد والثبات. فإذا اجتمعا، فقد يقرأ بعض المعاصرين الصورة على أنها إحساس بوجود سند متين يحتمي به الرائي. وقد تعبّر عن قدرة على التحمل وعدم التأثر بما يعترض الطريق. وقد تعبّر في المقابل عن شدة وجمود إن صاحبها شعور بالضيق أو بالانغلاق. وكل ما سبق احتمال لا يبلغ درجة القطع.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما تناقله أهل التعبير أن الظهر قد يدل على القوة والأهل والمال، وأن سلامته قد تدل على ثبات صاحبه. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الجدار في المنام قد يرمز إلى الحماية أو إلى الرجل القائم على أهل بيته، بحسب الحال. وقد اختلف المفسرون في التفاصيل ولم يتفقوا على معنى واحد لكل حالة. كما أن صورة الظهر الصلب كالجدار بخصوصها أقل تناولًا في الكتب القديمة، فمعظم ما يُقال فيها اجتهاد معاصر. ويؤخذ كل ذلك على سبيل الاستئناس لا على سبيل الجزم.
للسياق أثر كبير في المعنى. فإذا كان الظهر الصلب مصدر أمان والرائي يستند إليه، فقد يميل ذلك إلى الشعور بالحماية والدعم. وإذا كان عائقًا يمنع الرائي من الوصول إلى شيء، فقد يعبّر عن موقف يصعب تجاوزه أو عن عناد في الداخل. وإذا كان الظهر ظهر الرائي وهو يشعر بقوته، فقد يدل على ثقة بالنفس وثبات في الموقف. أما إذا شعر بأنه متصلب لا يتحرك، فقد يرتبط بتوتر أو بحاجة إلى مرونة.
إذا كان الرائي رجلًا أو امرأة يقوم على شؤون أسرة، فقد يتصل الحلم بدوره بوصفه الركن الذي يعتمد عليه أهله. فالظهر الصلب هنا صورة لاحتماله وصبره، وقد يكون تذكيرًا بأن للصلابة ثمنًا من التعب. ولا بأس أن يلين أحيانًا ويطلب العون، فاللين مع الأحبة لا ينقص من القوة. كما أن الظهر الذي يتلقى مودة في المشهد قد يدل على أثر المحبة في تخفيف العبء. وتتفاوت هذه المعاني بحسب ظروف كل رائ.
وإن كان الرائي طالبًا أو عاملًا في بداية حياته، فقد يعبّر الحلم عن رغبة في بناء شخصية قوية لا تهتز. فالظهر الصلب قد يرمز إلى استعداده لتحمل الضغوط. لكن الإفراط في الصلابة قد يجعل صاحبها لا يستمع لنصح أحد، فالمرونة المعتدلة علامة قوة لا ضعف. وقد يكون الحلم دعوة إلى التوازن بين الثبات واللين. وهذه قراءة تقريبية فحسب.
وللتفاصيل الدقيقة قيمتها، فمادة الجدار من حجر أو طين أو خشب تضيف معنى، فالحجر يميل إلى المتانة والطين إلى الألفة والخشب إلى الدفء. وهل كان الجدار مرتفعًا أم متوسطًا، وهل عليه نقوش أو شقوق، فالشقوق قد تشير إلى حاجة إلى ترميم أو عناية. ووجود ظل أو ضوء يضيف دلالة الطمأنينة أو الانشغال. ومن المفيد أن يتذكر الرائي شعوره عند الاستيقاظ لأنه أدق من تفاصيل المنام. وتبقى هذه التفاصيل تقريبية.
من الناحية العملية والنفسية، قد يكون الحلم أثرًا لإحساس بتصلب في الظهر نفسه أو لشد عضلي بعد جلوس طويل أو توتر. ويحسن بالرائي أن يمارس تمارين تمدد خفيفة وأن يحرك جسده بين فترات الجلوس. والحلم ليس نصيحة طبية ولا تشخيصًا، وأي ألم أو تيبس حقيقي في الظهر يستدعي مراجعة طبيب مختص. كما أن الاسترخاء قبل النوم يخفف من ثقل التوتر. وبهذا يتحول الحلم إلى عناية بالجسد.
ومما يحسن التذكير به أن القوة الحقيقية ليست في الجمود، بل في القدرة على الثبات عند الحاجة والمرونة عند الحاجة. فلا ينبغي أن يرى الرائي في صلابة المشهد قولًا فاصلًا في شخصه أو على علاقاته. والأجدر أن يتخذه دعوة إلى التأمل في طريقة تعامله مع الضغوط. وحسن الظن مع الأخذ بالأسباب أقرب إلى الطمأنينة. فالحلم يُستأنس به ولا يُعتمد عليه.
وفي الختام، فإن هذا التفسير اجتهاد بشري ظني، يصيب وقد يخطئ، ولا يغني عن الأخذ بالأسباب. ومن حسن الظن بالله أن يطمئن الرائي ويدعو بالسكينة والتوفيق، فيقول اللهم اجعله خيرًا. وإن السند الأكبر للمرء ثقته بربه وحسن ظنه به. والغيب لا يعلمه إلا الله، وعلى الإنسان أن يسعى ويحسن الظن بربه.
