حين يرى المسافر الظهر في منامه قد يربطه بحقائبه وتنقله وما يحمله من أعباء الطريق. والأصل أن الرؤيا رمز لا يؤخذ على ظاهره، وأنها تتأثر بحال صاحبها وما يدور في خاطره. قد يكون الظهر ظهره، أو ظهر رفيق له في الطريق، أو ظهر شخص يلقاه في سفره. ويختلف المعنى بحسب شعوره في الحلم، أهو نشاط أم تعب أم حنين. ولذلك يحسن أن ينظر إلى المشهد بهدوء وفي إطاره الكامل.
الظهر في لغة الرموز يرتبط بالقوة والسند والتحمّل. والمسافر يحمل متاعه ويقطع المسافات، فيبدو الظهر قريبًا من حاله اليومية. ويقرأ بعض المعاصرين الظهر في المنام على أنه صورة للأعباء أو للدعم الذي يتلقاه الإنسان ممن حوله. فالظهر القوي قد يدل على قدرة على مواصلة الطريق، والظهر المثقل قد يدل على كثرة الأمتعة والانشغال. وكل هذا تأويل محتمل لا قطع فيه، فالمسافر أدرى بحاله وبما يحمله في قلبه من شوق أو ترقب.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما تناقله أهل التعبير أن الظهر قد يدل على القوة والأهل والمال، وأن حاله في الرؤيا قد يشير إلى حال هذه الأمور. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الظهر قد يرمز إلى الأنصار والأقارب. وقد اختلف المفسرون في التفاصيل ولم يتفقوا على معنى واحد لكل حالة. كما أن الرموز الأقل شيوعًا، ومنها الظهر في أحوال المسافرين، أقل تناولًا في الكتب القديمة. فيبقى كثير من التأويل المعاصر اجتهادًا يُؤخذ بحذر.
للسياق أثر واضح في المعنى. فإذا رأى المسافر ظهرًا قويًا مستقيمًا وهو مطمئن، فقد يميل ذلك إلى شعوره بالقدرة على إتمام رحلته. وإذا رأى ظهرًا مثقلًا بحقائب كثيرة، فقد يشير إلى قلق من ترتيبات السفر أو من كثرة ما يحمله. وإذا رأى من يعينه على حمل متاعه، فقد يُفهم ذلك على أنه دعم من رفاقه أو أهله. أما إذا رأى ظهر شخص يبتعد في الطريق، فقد يعبّر عن حنين إلى من فارقهم، وقد يكون مجرد صدى لتعب الطريق وسهر الليالي.
إذا كان المسافر في رحلة قصيرة، كعمل أو زيارة، فقد يعكس الحلم انشغاله بالتحضير وبما قد يعترضه في الطريق. والظهر هنا قد يرمز إلى جهده في الترتيب والتنقل. وقد يكون دعوة هادئة إلى التخفف من الأمتعة والاعتماد على ما يلزم فقط. ووجود مرافق في الحلم قد يدل على أثر الرفقة في تخفيف مشقة السفر. وتتفاوت هذه المعاني بحسب طبيعة الرحلة.
وإن كان المسافر مغتربًا لمدة طويلة، فقد يتصل الحلم بشعوره بالبعد عن الأهل وحاجته إلى السند المعنوي. فالظهر القوي قد يرمز إلى صبره وجلده، والظهر المتعب قد يرمز إلى ثقل الغربة. وقد يظهر في المشهد أحد أفراد الأسرة، فيدل على حضورهم في وجدانه. ولا ينبغي أن يحمل المسافر همًّا زائدًا بسبب الحلم، فهو في الغالب صدى للشوق. والتواصل مع الأهل والأصدقاء يخفف الكثير من هذا الثقل.
وللتفاصيل الدقيقة قيمتها، فنوع الحقيبة التي على الظهر وثقلها يضيفان دلالة. فالحقيبة الخفيفة مع شعور بالراحة تميل إلى الاطمئنان، والثقيلة قد تعبّر عن مشاغل كثيرة. والمكان الذي يجري فيه المشهد، من محطة أو طريق أو بلد غريب، قد يلوّن المعنى. فالمحطة قد تدل على انتظار أو ترتيب، والطريق المفتوح قد يدل على انفراج. ومن المفيد أن يتذكر المسافر شعوره حين استيقظ لأنه أدق من صورة المشهد.
من الناحية العملية والنفسية، قد يكون الحلم أثرًا لحمل الحقائب وطول الجلوس في وسائل النقل. ويحسن بالمسافر أن يوزع الأحمال بشكل متوازن وأن يستعين بحقائب بعجلات وأن يستريح بين الحين والآخر. والحلم ليس نصيحة طبية، وأي ألم حقيقي في الظهر يستدعي مراجعة طبيب مختص. كما أن تنظيم الرحلة مسبقًا وأخذ قسط كاف من النوم يخففان التوتر. وبهذا يصير الحلم فرصة للاستعداد الحسن، ولإعداد قائمة بما يلزم فعلًا قبل الرحلة كي يخف الحمل عن الظهر والذهن معًا.
ومما يحسن التذكير به أن الأحلام لا تنبئ بسلامة سفر ولا بعكسه، وأن الاستعداد والأخذ بالأسباب هما الأصل. فلا ينبغي أن يتخذ المسافر رؤيا واحدة سببًا لإلغاء رحلته أو لتغيير خطته. والاعتدال في الحذر مع حسن الظن أقرب إلى الصواب. وإن شغله الحلم فليتحدث إلى من يثق به من أهل الخبرة. فالدعم الواقعي أنفع من أي تأويل.
وفي الختام، فإن هذا التفسير اجتهاد بشري ظني، يصيب وقد يخطئ، ولا يغني عن الاستعداد والأخذ بالأسباب. ومن حسن الظن بالله أن يطمئن المسافر ويدعو بالسلامة والتوفيق، فيقول اللهم اجعله خيرًا. وإن الدعاء قبل الرحلة وفي أثنائها يبعث على السكينة. والغيب لا يعلمه إلا الله، وعلى الإنسان أن يحسن الظن بربه ويمضي مطمئنًا.
