إذا رأى الرائي في منامه أنه يدير ظهره لشخص ما، فهذه من الرؤى التي تتعدد وجوه تفسيرها بحسب الشعور المصاحب لها. الرؤيا رمزية في أصلها وليست صورة حرفية لما سيقع في الواقع، ولذلك لا ينبغي أن يُبنى عليها قرار حاسم أو موقف قاطع. قد يكون المشهد انعكاسًا لحال يعيشها صاحبه في يقظته، وقد يكون صورة عابرة من صور التفكير الداخلي. وما يلي عرض هادئ لأبرز ما قيل في هذا الباب، مع بيان أن الدلالات تتفاوت من حلم إلى آخر.
الظهر في لغة الرموز يرتبط بالسند والقوة وتحمّل المسؤوليات، فهو الجزء الذي يحمل الجسد ويسنده في الوقوف والحركة. ولهذا يُنظر إلى الظهر في المنام على أنه يدل على الدعم الذي يستند إليه المرء من أهله وعمله وماله، كما يدل على ما يحمله من أعباء وواجبات. وحين يدير الرائي ظهره لإنسان، فإن الصورة تجمع بين معنى الابتعاد ومعنى حجب الوجه عن الآخر. وقد تكون الدلالة الأقرب هنا رغبة في الانصراف عن أمر أو شخص، أو حاجة إلى مساحة خاصة يلتقط فيها الرائي أنفاسه.
نُسب إلى ابن سيرين في أبواب الجسد أن أعضاء الإنسان ترمز إلى ما يرتبط بها من منافع ومعانٍ، وأن الظهر يدل على السند والعون. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن ما يقع للأعضاء في المنام يُحمل على حال صاحبها وحال من يتصل به. غير أن آراء المفسرين تختلف في تفصيل هذه الصور، والرموز الأقل شيوعًا مثل إدارة الظهر لشخص بعينه أقل تناولًا في الكتب القديمة، فيبقى التفسير فيها قائمًا على القياس والنظر في القرائن. ولذلك ينبغي أن يُؤخذ كل ما يُذكر هنا على سبيل الاحتمال لا الجزم.
يتغير المعنى كثيرًا بحسب الشخص الذي أدار الرائي ظهره له وبحسب شعوره أثناء المشهد. فإن أدار ظهره وهو غاضب فقد يعكس ذلك ضيقًا مكتومًا من موقف لم يجد له منفذًا في يقظته. وإن أداره بهدوء لينصرف إلى عمل أو طريق فقد يشير إلى تركيز على هدف وانشغال عن أمور جانبية. وإن كان الشخص المقابل معروفًا للرائي فقد يتصل المنام بمحادثة مؤجلة أو بخلاف عابر لم يُحسم، أما إن كان مجهولًا فالأقرب أن يكون الرمز دالًا على حال داخلية أكثر منه على علاقة محددة.
إذا كانت الرائية عزباء فقد يدل المنام على رغبتها في الابتعاد عن ضغط أو توقعات تُفرض عليها، أو على تردد في أمر يخص مستقبلها. وقد يعبّر عن تفضيلها الهدوء والانشغال بدراستها أو عملها في الوقت الحاضر. وإن كانت متزوجة فقد يكون المنام صورة لتعب من أعباء البيت والمسؤوليات اليومية، أو لخلاف صغير تحتاج معه إلى مهلة قبل العودة إلى الحوار. وفي الحالتين لا يُفهم المشهد قطيعة حقيقية، بل ميلًا إلى الاستراحة وترتيب الأفكار. والمرأة الحامل قد تكثر عليها مثل هذه الصور لأن مشاعرها تتبدل وحاجتها إلى الراحة تزداد.
وإن كان الرائي رجلًا فقد يتصل المنام بعمل أو التزام مالي يرغب في الانصراف عنه مؤقتًا، أو بحاجة إلى حسم موقف ظل يؤجله. وقد يشير عند الموظف إلى ضيق من علاقة عمل متوترة يود أن يخرج منها بهدوء. أما الطالب فقد يدل عنده على رغبة في الانفراد بالمذاكرة وتجنب المشتتات. وقد يكون عند صاحب الأسرة صورة للانشغال الزائد عن أقاربه، فيحسن به أن يتفقد ما قصّر فيه من صلة وسؤال.
ومن التفاصيل التي تغير الدلالة: هل نظر الرائي إلى الخلف بعد أن أدار ظهره؟ فالنظر إلى الخلف قد يدل على بقاء تعلق بالأمر الذي ينصرف عنه. وهل كان الطريق أمامه واسعًا وواضحًا؟ فذلك يميل إلى معنى الانطلاق نحو أمر جديد. وهل بدا الشخص المقابل حزينًا أو غير مكترث؟ فالأول قد يدل على شعور خفي بالتقصير، والثاني على أن الأمر أخف مما يتخيله الرائي. كما أن الإضاءة والمكان وعدد الحاضرين كلها قرائن تُضاف إلى التقدير.
ومن الناحية النفسية، قد يكون المنام ترجمة لرغبة في وضع حدود صحية مع من يطلبون الكثير من وقت الرائي وجهده. ويمكن أن ينتفع صاحبه بالتفكير في الأمور التي يود الانصراف عنها فعلًا، وبالتخطيط لقول ذلك بلطف ووضوح. كما قد يكون من المفيد أن يراجع علاقاته القريبة ليرى هل يوجد كلام يستحق أن يُقال بهدوء. وإن شعر بإرهاق دائم فليمنح نفسه فترات راحة منتظمة وليتحدث مع شخص يثق به. وكل ذلك تأمل عام لا يغني عن استشارة مختص إن اشتد الضيق.
وبعد، فإن ما سبق اجتهاد بشري ظني لا يبلغ درجة اليقين، وقد يصيب وقد يخطئ. والأولى أن يحسن الرائي الظن بربه وألا يجعل المنام مصدر قلق أو سببًا لقطع صلة. ويحسن أن يدعو الله بأن يصرف عنه كل ضيق وأن يوفقه إلى ما فيه خير في دينه ودنياه. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما الرؤيا إلا إشارة تحتمل أكثر من وجه. فليمض الرائي في يومه مطمئنًا، وليتعامل مع من حوله بالرفق وحسن الخلق.
