الخوف من فقدان الحقيبة في المنام من الصور التي يكثر ذكرها عند الناس، وهي في الغالب تعبير رمزي عن القلق على ما يملكه الإنسان أو يحرص عليه. والرؤيا رمزية في أصلها، وليست خبرًا مؤكدًا عن أمر بعينه، ولا يصح أن تُبنى عليها قرارات مهمة. وما يُذكر في تفسيرها إنما هو احتمالات تقرّب المعنى ولا تجزم به. وقد تكون الحقيبة في الحلم انعكاسًا لانشغالات النهار أكثر من كونها إشارة إلى شيء خارجي. ولذلك يحسن أن تُقرأ بهدوء وروية دون استعجال.
الحقيبة في أصل دلالتها وعاء يحفظ فيه الإنسان ما يحتاج إليه، ولذلك ارتبطت في الرمزية بالأعباء والمسؤوليات وما يحمله المرء من أمور ظاهرة وخفية. وقد تشير إلى الأسرار والأمانات، وإلى الاستعداد لمرحلة جديدة، وإلى السفر بمعناه الحقيقي أو المجازي. وقد تدل على التنظيم وحسن ترتيب الأولويات حين تكون مرتبة وجيدة الإغلاق. وتختلف الدلالة إن كانت ممتلئة أو فارغة، جديدة أو قديمة، خفيفة أو ثقيلة. وكل ذلك يبقى في دائرة الاحتمال دون جزم، فالرمز الواحد يحمل أكثر من وجه.
وقد ورد عن بعض المعبرين، ومنهم ما نُسب إلى ابن سيرين، أن ما يُحمل في الحقائب يدل على ما يحرص صاحبه على حفظه من مال أو سر أو أمانة. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الحقيبة المفتوحة قد توحي بظهور ما كان مستورًا، وأن المغلقة توحي بالحفظ والستر. ويختلف المعبرون في تقدير ذلك، فمنهم من يغلّب المعنى المادي ومنهم من يميل إلى المعنى المعنوي. ولا يصلح أن يُجعل قول واحد حاسمًا في كل حال. وكل هذه الأقوال اجتهادات تحتمل الصواب والخطأ.
ويبقى للسياق أثر كبير في تحديد الدلالة، فمن رأى الحقيبة في بيته غير من رآها في طريق أو محطة، ومن رآها بهدوء غير من رآها وهو يركض خلفها. وكذلك لوقت الرؤيا وحال النوم والحالة النفسية قبله أثر في صور الحلم. وقد يكون ما رآه الإنسان انعكاسًا لمحادثة أو مشهد مرّ به في يومه. ولذلك لا ينبغي عزل المشهد عن شعور صاحبه وظروفه. وكلما كانت القراءة أهدأ وأوسع كانت أقرب إلى الاتزان.
فالحقيبة وعاء الأغراض والأسرار والمسؤوليات، وضياعها في الحلم قد يعكس خشية من التقصير أو من خسارة ما يعتز به. وقد ترتبط الصورة بعمل أو دراسة أو علاقة أو أمانة يحملها الرائي. وليس في الصورة إخبار بفقد حقيقي لشيء، فهي تعبير عن شعور داخلي. وكلما أعطي الشعور حقه من الفهم خف أثره. وقد يكون الخوف نفسه إشارة إلى حرص الرائي ورغبته في أداء ما عليه.
ومن التفاصيل التي قد تغيّر القراءة طريقة الفقدان، فإن رآها تسقط منه ثم وجدها فقد يعبّر ذلك عن قلق يعقبه اطمئنان. وإن رآها تُسرق أو تُترك في مكان ما فقد يعكس شعورًا بالإهمال أو الحذر من الآخرين، دون اتهام لأحد. وإن ظل يبحث عنها بلا نهاية فقد يدل على استغراق في التفكير بأمر يشغله. وإن شعر بالراحة بعد فقدها فقد يرمز إلى رغبة في التخفف من عبء ما. وكل ذلك احتمالات لا يقين فيها.
وقد يرى الرائي أنه يطلب المساعدة في البحث عن حقيبته، فتعبّر الصورة عن حاجته إلى عون من حوله. وقد يرى أنه يحرس حقيبته بيده وعينه طوال الوقت، فتعبّر عن يقظة زائدة وخوف من التفريط. وقد يرى أنه ترك الحقيبة عمدًا وانصرف، فيرمز ذلك إلى استعداد للتخلي. وكل هذه الصور مرتبطة بشعور الرائي أكثر من ارتباطها بمعنى ثابت، فينبغي النظر إليها بروية.
ومن الجانب النفسي، كثيرًا ما يرافق هذه الأحلام قلق من التقصير أو من نسيان أمر مهم. ويفيد أن يكتب الرائي ما يخشى فقده، ثم يحدد ما يمكنه حمايته بخطوات عملية وما لا طاقة له به. والحلم ليس نصيحة طبية أو نفسية. فإذا تكرر القلق الشديد أو أثر في النوم والعمل فالأولى التكلم مع مختص أو أحد الأهل. وفي التعبير عن الخوف بالكلام راحة كبيرة للنفس.
ويحسن أن تُستقبل الرؤيا بخفة وطمأنينة، فهي في غالبها مرآة لما يشغل الذهن. ومن المفيد أن ينظر الرائي في عاداته اليومية من نوم وطعام وحركة، فلها أثر في صور المنام. وأن يعبّر عمّا يضايقه بالكلام أو الكتابة، فذلك يخفف كثيرًا. ولا يغني الحلم عن رأي المختصين. فإن اشتد القلق أو دام الإرهاق فليتكلم مع مختص أو أحد أهله الثقات.
وخلاصة القول إن هذا التفسير اجتهاد بشري ظني لا يبلغ درجة اليقين، وقد يختلف عنه غيره من أهل التعبير. فلا يحمل الرائي نفسه همًّا بسبب حلم، ولا يجعله سببًا لقلق أو قرار متعجل. وحسن الظن بالله والدعاء له بالخير والتوكل عليه خير ما يُستقبل به كل حلم. والغيب لا يعلمه إلا الله، وكل ما سبق مجرد قراءة رمزية هادئة. فليمضِ الرائي في يومه بطمأنينة وثقة.
