قد يرى المرء اللحية في منامه أثناء قيلولة بعد الظهر، بعد يوم طويل من العمل أو التعب. وهذه الغفوة القصيرة كثيرًا ما تحمل أحلامًا سريعة غريبة لا تبقى طويلًا في الذاكرة. والرؤيا في أصلها رمز لا يُحمل على ظاهره، وليست خبرًا حرفيًا بما سيكون. فلا ينبغي أن يُظن أن وقتها يمنحها قوة أو دلالة ثابتة. وما يأتي قراءات محتملة تُقدم بهدوء وبلا جزم.
اللحية في الرموز ترتبط بالهيبة والوقار، وبالنضج والتقدم في العمر، وبالعناية بالمظهر. وبعد الظهر يرتبط عادة بمنتصف النهار وما فيه من انشغال وإنجاز ثم استراحة. فاجتماعهما قد يشير إلى أن موضوع المكانة أو المسؤولية حاضر في ذهن الرائي وسط مشاغل يومه. وتختلف الدلالة بحسب شكل اللحية وشعور الرائي وحاله البدنية. ولذلك يُنظر إلى المشهد كاملًا لا إلى عنصر منفرد.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما تناقلته كتب التعبير أن اللحية الحسنة قد تدل على الوقار والجاه والمنزلة. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن اعتدالها وحسن مظهرها قد يشيران إلى الاعتبار وطيب الذكر بين الناس. وقد ذكر بعض أهل التعبير أن لأوقات النهار والليل اعتبارًا عندهم في الرؤيا، غير أن آراءهم متباينة ولا يُبنى عليها جزم. ويختلف المعبرون في كثير من التفاصيل، فلا يصح اعتماد قول واحد حاسمًا. والرموز الأقل شيوعًا أقل تناولًا في الكتب القديمة، ولذلك يبقى تفسيرها اجتهادًا يحتاج إلى حذر.
للسياق وزن كبير في فهم الرؤيا. فشعور الرائي وقت الحلم وعند اليقظة، أكان طمأنينة أم ارتباكًا أم دهشة، يدل على الاتجاه العام للمعنى. ومكان المشهد، أكان في بيته أم بين الناس أم في مكان غير مألوف، يشير إلى الجانب الذي قد يتصل به. وهل كانت الغفوة بعد غداء ثقيل أو بعد عمل مرهق، فذلك يغير الإحساس بالصورة. وما كان يشغله صباح ذلك اليوم من لقاء أو عمل قد يكون أصل الحلم.
بالنسبة إلى الرجل الذي يرى اللحية بعد الظهر، قد يُحمل الحلم على انشغاله بما أنجزه في نهاره وما بقي أمامه من عمل. وربما عبر عن رغبته في الحفاظ على هيبته واتزانه وسط الضغوط. وقد يتصل بحاجته إلى استراحة ذهنية بعد جهد طويل. وإن كان الشعور هادئًا فقد يعكس رضا، وإن كان مقلقًا فقد يعكس إجهادًا. وكل ذلك احتمالات لا يبلغ أحدها حد اليقين.
أما المرأة، سواء كانت عزباء أو متزوجة أو حاملًا، فقد يُحمل الحلم عندها على انشغال بما مر بها في نصف نهارها من أعباء وأدوار. وقد يعبر عن حاجتها إلى فترات هدوء وتقدير لما تبذله. وإن كانت حاملًا فقد يكون الحلم صدى لإحساسها بالتعب وحاجتها إلى الراحة، مع التذكير بأنه ليس نصيحة طبية ولا يغني عن مراجعة الطبيبة. وإن كانت متزوجة فقد يتصل بتعب شؤون البيت. وهذه قراءات محتملة لا أكثر.
للتفاصيل الدقيقة أثر واضح في الفهم. فلون اللحية وطولها ونظافتها، وهل ظهرت معها أجواء النهار من ضوء وصخب، وهل بقيت الصورة في الذاكرة بعد النهوض، كلها عناصر توجه القراءة. وأحلام القيلولة قصيرة في الغالب، فتأتي الصور فيها مقتضبة سريعة التلاشي. وشعور الرائي وهو يستيقظ يعطي مؤشرًا مهمًا. ولا يصح بناء نتيجة قاطعة على تفصيل منفرد.
ومن الجوانب النفسية أن الغفوة في منتصف النهار تعمل على تفريغ جزء من تعب الذهن، فتظهر فيها بقايا أحداث الصباح بصور مضغوطة غير مرتبة. فقد تكون صورة اللحية جزءًا من هذه البقايا. وقد تعبر عن إحساس بثقل المسؤولية في منتصف اليوم. وليس في ذلك ما يدل على حدث محدد. وإنما هو انعكاس لحال داخلية يمكن أن تُفهم بهدوء.
وللحلم جانب عملي ونفسي ينبغي الالتفات إليه. فيستحسن أن يدون الرائي ما رأى ثم يتأمل ما أرهقه في صباحه وما ينتظره في بقية يومه. وإن بدا أن الحلم يعكس تعبًا، فمن الحسن أن ينظم أوقات راحته ويشرب الماء ويخفف الأعباء ما أمكن. والكلام مع شخص موثوق يخفف الانشغال ويزيد الأمور وضوحًا. ولا ينبغي أن تكون الرؤيا أساسًا لقرار مهم في الحياة.
وفي الختام، فإن كل ما سبق اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، وليس خبرًا يقينيًا عن المستقبل. فليُحسن الرائي الظن بالله، وليدع بقوله اللهم اجعل هذه الرؤيا خيرًا وطمأنينة وراحة في الجسد والقلب. والغيب لا يعلمه إلا الله، وما الأحلام إلا صور تحتمل أكثر من وجه. فليمضِ في يومه بقلب مطمئن، وليأخذ بالأسباب ويتوكل على الله.
