رؤية اللحية مرتبطة بالتجربة في المنام صورة تجمع بين رمز الخبرة المتراكمة ورمز الإقدام على ما لم يُعرف بعد. وينبغي أن يُذكر في البداية أن الرؤيا رمزية في أصلها وليست حرفية، فالتجربة قد تعني ما مر به الرائي من سنين، وقد تعني أمرًا يختبره الآن لأول مرة. وقد تكون الصورة انعكاسًا لمرحلة تعلم أو لخطوة جديدة يفكر فيها. والأولى أن تُقرأ بهدوء، مع التمييز بين خبرة تُستدعى وتجربة تُخاض.
واللحية في الرموز العامة ترتبط بالهيبة والوقار والعناية بالمظهر، وبالتقدم في العمر وما يحمله من خبرة ومسؤولية. وحين يقترن بها معنى التجربة فإن الدلالة تتجه إلى ما يكتسبه الإنسان بمرور الأيام من حصيلة تعينه على التقدير والتصرف. فقد تدل الصورة على أن الرائي يعتمد على خبرته في أمر قادم، أو أنه يحتاج إلى خبرة غيره قبل أن يخطو. وقد تعبّر عن رغبته في تجريب شيء جديد مع شيء من الحذر. ويبقى المعنى مرتبطًا بتفاصيل المشهد وحال الرائي.
نُسب إلى ابن سيرين أن اللحية تدل في الجملة على الجاه والمنزلة وزيادة القدر، وأن طولها المعتدل أدل على حسن الحال. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن بياض الشعر في الرؤى قد يُحمل على الخبرة والمكانة إذا اقترن بحسن الهيئة. وهذه الأقوال عامة، ولم يفرد القدماء اللحية مقترنة بمعنى التجربة بتفصيل، والرموز الأقل شيوعًا أقل تناولًا في الكتب القديمة. لذلك يغلب الاجتهاد والقياس، وتختلف آراء المفسرين اختلافًا ظاهرًا، فلا يُعدّ قول منهم قاطعًا.
ويؤثر السياق في الدلالة تأثيرًا كبيرًا. فإن كانت التجربة في المشهد ناجحة ومريحة، كأن يؤدي الرائي عملًا بإتقان أو يتعلم شيئًا بسهولة، فالصورة أقرب إلى الثقة والاستعداد. وإن كانت متعثرة أو مربكة، فقد ترمز إلى تردد قبل خطوة جديدة أو إلى الخوف من الخطأ. وإن كان صاحب اللحية يرشد الرائي في تجربته، فهو أقرب إلى حاجة الرائي إلى مشورة ذوي الخبرة. وإن كان الرائي هو صاحب اللحية، فالأرجح أنه يستحضر ما تعلمه من أيامه.
وإذا كانت الرائية عزباء فقد تعبّر الصورة عن تجربة قادمة في دراسة أو عمل أو سكن، وعن حاجتها إلى من ينصحها بخبرة. وقد تدل على نضج تدريجي في نظرتها إلى الأمور. وليس فيها وعد بنجاح ولا تحذير من إخفاق. والأولى أن تأخذ منها دافعًا إلى التعلم من تجارب الآخرين وإلى حسن التوكل على الله.
وأما المتزوجة فقد ترمز الرؤيا إلى ما اكتسبته من خبرة في تدبير بيتها وتربية أبنائها، أو إلى تجربة جديدة تفكر فيها، كعمل أو مشروع صغير. وإن كانت حاملة فلا تدل الرؤيا على جنس المولود ولا على سلامة الحمل، وليست نصيحة طبية، فالمرجع هو الطبيب المختص، ولكل حمل خصوصيته. وأما الرجل فقد يرى فيها حصيلة سنوات من العمل أو الغربة أو المسؤولية، أو رغبة في خوض تجربة مهنية مختلفة. وتتفاوت هذه المعاني بتفاوت الأحوال.
وللتفاصيل الدقيقة قيمتها. فبياض اللحية يشير إلى طول التجربة وكثرة الأيام، وسوادها إلى حيوية البدايات، واختلاطهما إلى تعاقب المراحل. وملامح الوجه، من هدوء أو إرهاق، تحدد ثمن الخبرة في نظر الرائي. وإن كان صاحب اللحية يروي تجربة طويلة للرائي فقد يدل ذلك على حاجة إلى الاستماع إلى تجارب الكبار. وإن كان الرائي يكتب أو يسجل ما يتعلمه فذلك أقرب إلى حسن الاستفادة من الأيام.
ومن المفيد أن يتأمل الرائي أي تجربة يمر بها الآن أو يوشك أن يبدأها: هل هي وظيفة، أو سفر، أو مشروع، أو مرحلة أسرية؟ فالصورة في الغالب تتصل بها. وقد لا يكون هناك ربط بتجربة محددة، بل مجرد شعور عام بمرور الزمن وتراكم الخبرة. وفي الحالتين يحسن أن يأخذ من الرؤيا ما يعين على الهدوء والتأني. ومن المفيد كذلك ألا تُقاس قيمة الإنسان بكثرة تجاربه وحدها، فبعض الناس تطول بهم الأيام ولا يتعلمون منها، وبعضهم يتعلم من قليل. والخبرة الحقيقية هي ما تحول إلى سلوك حسن وحكاية نافعة لمن بعده.
ومن الوجهة العملية والنفسية، قد تكون الرؤيا دعوة إلى كتابة الدروس المستفادة من تجارب سابقة، وإلى الاستعانة بها في قرار قادم. وقد تدفع الرائي إلى تعلم مهارة جديدة بهدوء ودون استعجال. وليست الرؤيا نصيحة طبية ولا تشخيصًا، ومن شعر بتعب أو إرهاق من كثرة الأعباء فعليه مراجعة الطبيب المختص.
وبعد هذا كله، فإن ما ذُكر في تفسير هذه الرؤيا اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا ينبغي أن يُبنى عليه خوف أو جزم. والأولى أن يحسن الرائي الظن بالله، وأن يتعلم من أيامه ما ينفعه. ويُدعى بأن يجعل الله ما رآه الإنسان خيرًا، وأن يبارك له في علمه وخبرته. والغيب لا يعلمه إلا الله، وما سواه ظنون واجتهادات.
