رؤية اللحية في العمل في المنام صورة تجمع بين رمز الوقار وبيئة المهنة، فالعمل يشغل جزءًا كبيرًا من حياة الإنسان ويتسلل كثيرًا إلى أحلامه. وينبغي أن يُذكر في البداية أن الرؤيا رمزية في أصلها وليست حرفية، فلا تنذر بترقية ولا بفصل ولا بخلاف. وقد تكون الصورة انعكاسًا لما يشغل الرائي من أمور مهنية، أو لرغبته في أن يُنظر إليه بجدية في موقعه. والأولى أن تُقرأ بهدوء، مع النظر إلى ما صاحبها من شعور بالثقة أو الضغط.
واللحية في الرموز العامة ترتبط بالهيبة والوقار والعناية بالمظهر، وبالتقدم في العمر وما يحمله من خبرة ومسؤولية. وإذا ظهرت في مكان العمل فإن المعنى يتجه إلى المكانة المهنية وحسن الأداء وتحمل التبعات. فقد تدل الصورة على حضور خبرة تحتاج إليها بيئة العمل، أو على شعور الرائي بأنه يحمل أكثر مما يظهر. وقد تعبّر عن علاقة بمدير أو زميل أو عميل ذي مكانة. ويبقى المعنى مرتبطًا بنوع العمل وتفاصيل المشهد.
نُسب إلى ابن سيرين أن اللحية تدل في الجملة على الجاه والمنزلة وزيادة القدر، وأن حسنها يدل على صلاح الحال. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن هيئة الإنسان في الرؤى مرآة لحاله بين الناس، فحسن الهيئة قرينة على حسن السمعة. وهذه الأقوال عامة، ولم يفرد القدماء اللحية في بيئة العمل بتفصيل، فالمهن المعاصرة لم تكن معروفة لديهم بصورتها الحالية. والرموز الأقل شيوعًا أقل تناولًا في الكتب القديمة. لذلك يغلب الاجتهاد والقياس، وتختلف آراء المفسرين اختلافًا ظاهرًا.
ويؤثر السياق في الدلالة تأثيرًا كبيرًا. فإن كان المشهد هادئًا والرائي منجزًا لمهامه بارتياح، فالصورة أقرب إلى اطمئنان مهني وثقة بالنفس. وإن كان مزدحمًا أو مرهقًا، فقد ترمز إلى كثرة المهام وحاجة إلى تنظيم الوقت. وإن كان صاحب اللحية مديرًا أو زميلًا، فالرؤيا تتصل بنظرة الرائي إلى علاقته بالسلطة أو التعاون. وإن كان الرائي هو صاحب اللحية، فالأرجح أنه يتأمل في مكانته ومسؤولياته.
وإذا كانت الرائية عزباء أو طالبة فقد تعبّر الصورة عن تطلعها إلى بيئة عمل ناضجة وإلى من يوجهها في بداياتها المهنية. وقد تدل على حاجتها إلى مثال ناجح تقتدي به. وليس فيها وعد بوظيفة ولا تحذير من أحد. والأولى أن تأخذ منها دافعًا إلى الاجتهاد وتطوير المهارات، وأن تتوكل على الله.
وأما المتزوجة فقد ترمز الرؤيا إلى محاولتها التوفيق بين العمل والبيت، أو إلى انشغالها بعمل الزوج وأثره في الأسرة. وإن كانت حاملًا فلا تدل الرؤيا على جنس المولود ولا على سلامة الحمل، وليست نصيحة طبية، وعليها أن تستشير طبيبها في ما يخص ظروف عملها. وأما الرجل فقد يرى فيها انعكاسًا لعبء المسؤولية أو لطموح مهني أو لرغبة في التقدير. وتتفاوت هذه المعاني بتفاوت الأحوال.
وللتفاصيل الدقيقة قيمتها. فنوع المكان، مكتبًا كان أو ورشة أو ميدانًا أو متجرًا، يعطي الصورة سياقها. وهيئة اللحية، مرتبة أو متعبة، تدل على مقدار الجاهزية أو الإرهاق. وإن كان صاحب اللحية يعطي الرائي مهمة أو يشكره على عمله فذلك أقرب إلى التقدير، وإن كان يستعجله فقد يدل على ضغط. والأوراق والأجهزة والأصوات في الخلفية قرائن إضافية.
ومن المفيد أن يتذكر الرائي ما كان يشغله في عمله قبل المنام، كاجتماع أو موعد تسليم أو خلاف يسير، فالأحلام تعيد عرض هذه الصور في أشكال رمزية. وربما كانت اللحية مجرد وجه رآه في اليوم. وقد لا يكون للمشهد أكثر من ذلك. ولذلك لا ينبغي أن يبني الرائي قرارًا مهنيًا على منام.
ومن الوجهة العملية والنفسية، قد تكون الرؤيا دعوة إلى ترتيب الأولويات المهنية وإلى الاعتناء بالسمعة الطيبة والتعاون مع الزملاء. وقد تدفع الرائي إلى أخذ استراحات منتظمة وتخفيف التوتر. ومن المفيد أن يتكلم بهدوء مع مديره أو زملائه عن ما يزعجه إن وُجد. وليست الرؤيا نصيحة طبية ولا تشخيصًا، ومن أحس بإرهاق مزمن أو قلق شديد فعليه مراجعة الطبيب.
وبعد هذا كله، فإن ما ذُكر في تفسير هذه الرؤيا اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا ينبغي أن يُبنى عليه خوف أو جزم. والأولى أن يحسن الرائي الظن بالله، وأن يتقن عمله ويتوكل عليه. ويُدعى بأن يجعل الله ما رآه الإنسان خيرًا، وأن يبارك له في رزقه وعمله. والغيب لا يعلمه إلا الله، وما سواه ظنون واجتهادات.
