الأحلام لغة رموز، وكثيرًا ما تحمل صورًا لا تُفهم على ظاهرها. وحين ترى الفتاة العزباء لحية في منامها فقد تستغرب وتتساءل عن دلالة هذا المشهد غير المألوف. والأصل أن يُنظر إليه بوصفه رمزًا قابلًا لأكثر من قراءة، لا خبرًا محددًا بما سيحدث. فلا حاجة إلى الخوف ولا إلى الإفراط في التفكير فيه. وفيما يلي عرض متزن للمعاني المحتملة، مع التذكير بأن الرؤيا ليست حرفية.
ترتبط اللحية في الرموز عادة بالوقار والهيبة، وبالتقدم في العمر والنضج، وبالعناية بالمظهر. وقد تشير إلى المكانة والاعتبار، وإلى الشعور بثقل المسؤولية حين يحملها المرء بجدية. ويتغير المعنى بحسب شكلها، فالمهذبة الحسنة غير المهملة الكثيفة، والقصيرة الرقيقة غير الطويلة الكثة. كما أن مكان ظهورها والشخص الذي تعود إليه يغيران القراءة. ولذلك ينبغي النظر إلى الحلم نظرة شاملة لا تجتزئ عنصرًا واحدًا.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن اللحية الحسنة قد تدل على الجاه والوقار والمنزلة عند الناس. وذهب النابلسي في بعض ما تناقلته الكتب إلى أن اعتدالها وحسن هيئتها قد يشيران إلى سمعة طيبة وقدر بين الأقران. ومعظم هذه الأقوال موجه إلى الرجل الذي يرى اللحية لنفسه، أما رؤية الفتاة لها فلم تنل التفصيل ذاته. ويختلف أهل التعبير في كثير من الدلالات، فلا يُعد قول منهم حاسمًا. والرموز الأقل شيوعًا أقل تناولًا في الكتب القديمة، ولذلك يظل تفسيرها محل اجتهاد وحذر.
لأثر السياق وزن كبير في فهم الرؤيا. فهل شعرت الفتاة بالراحة أم بالخجل أم بالاضطراب عند رؤية اللحية، فذلك يرشد إلى الاتجاه العام للمعنى. وهل كانت في بيت أهلها أم في الدراسة أم في العمل أم في مكان مجهول، فذلك يحدد ميدان الحياة الذي قد يتصل به الحلم. وما كان يشغلها قبل النوم من مشروع أو قرار أو انتظار قد يكون هو أصل الصورة. وكلما كان الشعور هادئًا والمشهد مرتبًا مال التفسير إلى المعاني المطمئنة.
بالنسبة إلى العزباء، قد يُحمل الحلم على معنى الثقة بالنفس والاعتماد على الذات. وربما أشار إلى مرحلة تتحمل فيها مسؤولية أكبر في دراستها أو عملها أو أسرتها. وقد يعبر عن رغبتها في أن تُؤخذ آراؤها بجدية وأن تنال تقديرًا يليق بجهدها. وإن كانت تفكر في مرحلة جديدة من حياتها، فقد يكون الحلم انعكاسًا لانشغال عقلها بهذه الخطوة. وليس في ذلك دليل قاطع، وإنما هي احتمالات تتسع لها الرموز.
وقد تظهر اللحية للفتاة في سياق يخص أحد أقاربها، كأب أو أخ أو خال، فيتجه المعنى إلى العلاقة معه ودوره في حياتها. فإن كانت صورته مهيبة هادئة فقد يدل ذلك على الشعور بالسند والأمان. وإن كان المشهد مربكًا فقد يشير إلى أمر عالق في العلاقة يحتاج إلى حوار هادئ. أما إن ظهرت لغريب مجهول الملامح، فقد يكون المعنى متصلًا بأمر لم يتضح بعد في حياتها. وفي كل ذلك يبقى الفهم محتملًا لا حاسمًا.
للتفاصيل الدقيقة أثر لا يُهمل. فلون اللحية، وطولها، ونظافتها، ومدى كثافتها، وكونها تتحرك مع الهواء أو ثابتة، كلها عناصر قد توجه القراءة نحو الاطمئنان أو نحو الانشغال. وشعور الفتاة تجاه اللحية، أكان فضولًا أم ضحكًا أم رهبة، يضيف مؤشرًا آخر. ووقت الحلم وحال الجسد عند الاستيقاظ قد يفسران جزءًا من الصورة، فالتعب والإرهاق يصنعان أحلامًا غريبة. ولا يصح بناء نتيجة قاطعة على تفصيل واحد منعزل.
وللحلم جانب عملي ونفسي يستحق التأمل. فيمكن للفتاة أن تدون ما رأت وتقارنه بما مر بها من أحداث وهموم في الأيام الماضية. وإن وجدت فيه صدى لقلق من المستقبل، فالأنسب أن ترتب أولوياتها وتحدث من تثق به من أهلها أو صديقاتها. ومما يعين على الهدوء النوم المنتظم وتخفيف الإجهاد وتقليل التفكير الزائد. وليس من الصواب أن تجعل الرؤيا سببًا لقبول أمر أو رفضه.
ومن المعاني التي يذكرها المعبرون في هذا الباب أن الرموز المتصلة بالهيبة قد تعكس ما يدور في النفس أكثر مما تعكس أمرًا خارجيًا. فقد تحمل الفتاة في داخلها رغبة في الحزم أو في إثبات ذاتها، فتأتي الصورة في منامها بصيغة رمزية غير مألوفة. وقد يكون ظهور اللحية دعوة هادئة إلى التأمل في ما تريده من مرحلتها القادمة وما تستعد له. وليس المقصود أن تتغير الفتاة أو تتصنع دورًا لا يشبهها، وإنما أن تفهم نفسها فهمًا أعمق. وكل ذلك يبقى في حدود الاحتمال الذي لا يبلغ اليقين.
وفي الختام، هذا كله اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يُعد خبرًا يقينيًا عن المستقبل. فلتُحسن الرائية الظن بالله، ولتدع بقولها اللهم اجعل هذه الرؤيا خيرًا وطمأنينة وفتحًا طيبًا. والغيب لا يعلمه إلا الله، وما الأحلام إلا صور تحتمل وجوهًا كثيرة. فلتمضِ في يومها بقلب مطمئن، ولتجعل اعتمادها على السعي الحسن والتوكل على الله.
