يعيش المسافر بين محطات وطرق ومواعيد، وتتسرب مشاعر السفر من اشتياق وترقب وتعب إلى أحلامه بصور شتى. وإذا رأى لحية في منامه، سواء كانت له أو لغيره، فقد يتوقف عندها متسائلًا عن علاقة المشهد برحلته. والرؤيا في أصلها رمز لا يُحمل على ظاهره، وليست توقعًا حرفيًا لما سيحدث في الطريق. فلا ينبغي أن تتحول إلى مصدر قلق أو تغيير في الخطط. وما يأتي قراءة هادئة لمعانيها المحتملة بلا جزم.
اللحية في الرموز ترتبط بالهيبة والوقار، وبالنضج والتقدم في العمر، وبالعناية بالمظهر. وقد ترمز إلى المكانة وإلى الشعور بالمسؤولية حين يحمل المرء أمانة سفره وأهله ووقته. وتختلف دلالتها بحسب شكلها، فالمرتبة النظيفة تختلف عن المبعثرة، والمعتدلة عن المفرطة في الطول. كما أن موضعها في المشهد وصاحبها يغيران القراءة كثيرًا. ولهذا فالنظر إلى الحلم بجملته أوفق من تفسير عنصر واحد.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما تناقلته كتب التعبير أن اللحية الحسنة قد تدل على الوقار والجاه والمنزلة لدى من يراها لنفسه. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن اعتدالها وحسن مظهرها قد يشيران إلى الاعتبار وطيب السمعة. وهذه الأقوال لا تتناول المسافر بخصوصه، وإنما هي دلالات عامة تتفاوت من معبر إلى آخر. فلا يصح اعتماد قول واحد حاسمًا. والرموز الأقل شيوعًا أقل حضورًا في الكتب القديمة، ولذلك يبقى تفسيرها اجتهادًا يحتاج إلى حذر.
للسياق وزن كبير في فهم الرؤيا. فشعور المسافر وقت الحلم، أكان طمأنينة أم اشتياقًا أم ارتباكًا، يدل على الاتجاه العام للمعنى. ومكان المشهد، أكان في بلد الغربة أم في الوطن أم في الطريق، يشير إلى الجانب الذي قد يتصل به. وما كان يشغله قبل النوم من موعد رحلة أو عمل أو شوق إلى الأهل قد يكون أصل الصورة. وكلما كان المشهد هادئًا مرتبًا مال التفسير إلى المعاني المطمئنة.
بالنسبة إلى المسافر الذي يرى لحيته حسنة، قد يُحمل الحلم على شعوره بالثقة والاتزان وسط تغير الأماكن. وربما عبر عن رغبته في أن يكون موضع احترام في بيئة جديدة وأن يحسن تمثيل نفسه وأهله. وقد يتصل بإحساس بتحمل مسؤولية قرارات السفر وما يترتب عليها. وإن كانت اللحية مضطربة فقد تعكس إرهاقًا من الترحال أو قلقًا من الأيام المقبلة. وكل ذلك احتمالات لا يبلغ أحدها حد اليقين.
وإن رأى المسافر اللحية لشخص من أهله أو لصديق في وطنه، فقد يتجه المعنى إلى الشوق إليه وإلى الحاجة إلى سنده. فالصورة الهادئة قد تدل على الأمان والاطمئنان إلى من تركهم خلفه. وقد تدل المربكة على قلق من البعد أو من أمر عالق ينتظر حوارًا. وإن كان صاحبها غريبًا فقد يرمز إلى مكان أو تجربة لم تتضح بعد. ولا يصح ربط الحلم بشخص حقيقي على وجه الجزم.
للتفاصيل الدقيقة أثرها. فلون اللحية وطولها وكثافتها ونظافتها وكونها ثابتة أو متحركة، كلها عناصر توجه القراءة. وشعور المسافر وهو ينظر إليها، أكان فخرًا أم حنينًا أم دهشة، يعطي مؤشرًا مهمًا. وتكرار الحلم يدل غالبًا على فكرة تلح على البال أكثر مما يدل على أمر خارجي. ولا يصح بناء نتيجة قاطعة على تفصيل منفرد.
ومن الزوايا النفسية أن السفر يحرك مشاعر الغربة والبحث عن الثبات، فيستحضر العقل في المنام رموزًا ذات دلالة على الرسوخ والهيبة. فاللحية في هذا المعنى قد تعبر عن حاجة إلى الإحساس بالأصل والمكانة وسط تغير الأماكن. وقد تعبر عن رغبة في العودة إلى بيئة مألوفة أو في إثبات الذات في بيئة جديدة. وليس في ذلك ما يدل على أمان الطريق أو خطره. وإنما هو انعكاس لحال داخلية يمكن فهمها بهدوء.
وللحلم جانب عملي ونفسي يستحق الاهتمام. فيستحسن أن يدون المسافر ما رأى ثم يتأمل ما يشغله من ترتيبات وتعب وشوق. وإن بدا أن الحلم يعكس إرهاقًا، فمن المفيد أن ينظم وقت راحته ويحافظ على نوم كافٍ ويتواصل مع أهله بكلام يطمئنه. والتخطيط الجيد للرحلة ومراعاة أسباب السلامة أنفع من التعويل على المنام. ولا ينبغي أن تكون الرؤيا سببًا لتأجيل سفر أو تغيير مسار.
وفي الختام، فإن كل ما سبق اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، وليس خبرًا يقينيًا عما سيجري في الطريق. فليُحسن الرائي الظن بالله، وليدع بقوله اللهم اجعل هذه الرؤيا خيرًا وطمأنينة وسلامة في الذهاب والعودة. والغيب لا يعلمه إلا الله، وما الأحلام إلا صور تحتمل أكثر من وجه. فليمضِ في رحلته بقلب مطمئن، وليأخذ بالأسباب ويتوكل على الله.
