قد تحمل الأحلام صورًا تثير في النفس مشاعر متباينة، ويزداد وقعها حين تكون صاحبتها قد مرت بفقد قريب. وإذا رأت الأرملة لحية في منامها فقد تتساءل عن معنى المشهد وعن علاقته بذكرياتها وبحاضرها. والرؤيا في أصلها رمز لا يُحمل على ظاهره، وليست خبرًا حرفيًا بما سيكون. فينبغي أن تُقرأ بهدوء ورفق، بعيدًا عن الجزم والتهويل. وما يلي قراءات محتملة فحسب، تُقدم بقدر من الحذر واللين.
ترتبط اللحية في الرموز بالهيبة والوقار، وبالتقدم في العمر، وبالعناية بالمظهر، وبالمكانة والمسؤولية. وقد تستدعي في الذهن صورة السند والاحتواء، أي الشخص الذي يُركن إليه عند الحاجة. وتتغير دلالتها بحسب شكلها وحالها، فالمرتبة المهذبة تختلف عن المبعثرة، والقصيرة عن الطويلة. وصاحبها في الحلم وموضعها منه يغيران الفهم كثيرًا. لذلك لا يصح تفسير رمز واحد بمعزل عن بقية المشهد.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما تناقلته كتب التعبير أن اللحية الحسنة قد تدل على الوقار والجاه والمنزلة. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن اعتدالها وحسن مظهرها قد يشيران إلى الاعتبار وطيب السمعة. وهذه الأقوال في الغالب تخص الرجل الذي يرى لحيته، ولم تتناول رؤية المرأة لها بالتفصيل نفسه. ويختلف المعبرون في كثير من الدلالات، فلا يُعد قول واحد منها حاسمًا. والرموز الأقل شيوعًا أقل حضورًا في الكتب القديمة، ولذلك يبقى تفسيرها اجتهادًا يحتاج إلى حذر.
وللسياق دور كبير في فهم الحلم. فشعور الأرملة وقت الرؤيا، أكان سكينة أم حنينًا أم استغرابًا، هو أول ما يُلتفت إليه. ومكان المشهد، أكان بيتها أم بيت الأهل أم مكانًا غير معروف، يرشد إلى الجانب الذي قد يتصل به المعنى. وما كان يشغلها قبل النوم من ذكريات أو مسؤوليات أو أمور الأولاد قد يكون وراء ظهور الصورة. وكلما كان المشهد هادئًا مال التفسير إلى المعاني المطمئنة.
بالنسبة إلى الأرملة، قد يُحمل الحلم على معنى تحمل المسؤولية وحدها وما يتطلبه ذلك من صلابة وصبر. وربما عبر عن حاجتها إلى السند وإلى من يشاركها الأعباء ويقدر جهدها. وقد يكون انعكاسًا لاشتياق وذكرى، فالنفس تستحضر في المنام صور من ارتبطت بهم، ولا يصح اعتبار ذلك خبرًا عن حال أحد. وقد يتصل أيضًا بحرصها على أن تحافظ على هيبة أسرتها ومكانتها. وكل ذلك في حدود الاحتمال لا اليقين.
وإن ظهرت اللحية في الحلم لشخص تعرفه، فالمعنى يتجه إلى علاقتها به أو إلى صفة تراها فيه من هيبة أو عطف أو خبرة. فإن كان قريبًا من الأسرة فقد يتصل الحلم بدوره في السند وبالمشاعر نحوه. وإن كان شخصًا من الماضي فقد يعكس حضوره في الذاكرة دون أن يدل على حاله أو مصيره. وإن كان غريبًا فقد يرمز إلى فكرة أو مرحلة لم يتضح معناها. ولا يصح ربط الحلم بشخص حقيقي أو اتهامه بشيء.
وللتفاصيل الدقيقة أثرها. فلون اللحية وطولها وكثافتها ونظافتها وملمسها، كلها عناصر توجه القراءة نحو الاطمئنان أو نحو الانشغال. وشعور الأرملة وهي تنظر إلى المشهد، أكان دفئًا أم حزنًا هادئًا أم استغرابًا، يعطي مؤشرًا مهمًا. وتكرار الحلم يشير غالبًا إلى فكرة أو شعور يلح على البال أكثر مما يشير إلى أمر خارجي. ولا يصح الاعتماد على تفصيل منعزل لبناء نتيجة قاطعة.
وللحلم جانب عملي ونفسي ينبغي الالتفات إليه. فيمكن للرائية أن تدون ما رأت وتتأمل ما مر بها من مشاعر وأحداث في الأيام الماضية. وإن وجدت فيه صدى لوحدة أو ثقل في الأعباء، فمن المفيد أن تتواصل مع أهلها وصديقاتها وتطلب العون فيما يشق عليها. والمحادثة مع شخص موثوق تخفف كثيرًا من الأحمال النفسية، وقد يلزم أحيانًا طلب دعم من مختص إن اشتد الحزن. ولا ينبغي أن تُتخذ الرؤيا أساسًا لقرار في المال أو الأسرة.
ومن المعاني التي يمكن التفكير فيها أن الأحلام بعد الفقد تميل إلى استحضار رموز القوة والاحتواء، لأن النفس تبحث عن الطمأنينة في صورها الداخلية. فاللحية بما فيها من معنى الهيبة والثبات قد تكون تعبيرًا رمزيًا عن حاجة إلى الأمان أو عن رغبة في استحضار من كان موضع ثقة. وقد تعني كذلك أن الرائية تكتشف في نفسها قدرة على الثبات لم تكن تنتبه إليها من قبل. وليس في ذلك ما يوجب تفسيرًا واحدًا ولا يصح الجزم بأحد الاحتمالات. وإنما هي مساحة للتأمل الرفيق والصبر الجميل على ما يمر بالنفس من مشاعر.
وفي الختام، فإن كل ما سبق اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، وليس خبرًا يقينيًا عما سيكون. فلتُحسن الرائية الظن بالله، ولتدع بقولها اللهم اجعل هذه الرؤيا خيرًا وطمأنينة وسكينة تملأ القلب. والغيب لا يعلمه إلا الله، وما الرؤيا إلا صورة تحتمل أكثر من قراءة. فلتمضِ في أيامها بقلب مطمئن، ولتجعل اعتمادها على الله وعلى حسن التدبير ومشورة الأهل الصادقين.
